لطالما قدّمت الصحافة الغربية نفسها بوصفها نموذجًا للحياد والموضوعية، ورفعت شعارات مثل “نقل الحقيقة” و“الوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف”. غير أنّ الحرب على غزة شكّلت لحظة كاشفة، ليس فقط لجرائم الاحتلال، بل أيضًا لانهيار مفهوم الحيادية الإعلامية كما روّجت له المؤسسات الصحفية الكبرى في أوروبا والولايات المتحدة.
الحياد… مفهوم نظري أم أداة سياسية؟
في الأدبيات الصحفية، يُفترض أن تعني الحيادية نقل الوقائع دون تحيّز، وإتاحة المجال للأطراف المختلفة للتعبير عن مواقفها. لكن ما جرى خلال حرب غزة أظهر أن “الحياد” غالبًا ما يُستخدم كغطاء لغوي لانحياز بنيوي يخدم موازين القوة، لا الحقيقة.
حين تكون إحدى الجهات قوة احتلال تمتلك جيشًا منظمًا وسلاحًا متطورًا، وتواجه شعبًا محاصرًا، فإن “الحياد” بين الطرفين لا يعني العدل، بل يعني مساواة الجلاد بالضحية.
اللغة كسلاح: كيف صُنعت الرواية؟
من أبرز مظاهر سقوط الحيادية كان التحيّز اللغوي: توصيف القصف الإسرائيلي بأنه “ردّ”، بينما يُوصَف أي فعل فلسطيني بـ*“هجوم”* أو “إرهاب”. تجنّب استخدام كلمات مثل احتلال، إبادة، تطهير عرقي، حتى حين تتطابق الوقائع مع تعريفاتها القانونية. هذا الانحياز لم يكن عارضًا، بل تكرّر بشكل منهجي في مؤسسات إعلامية كبرى، ما يعكس تحيزًا مؤسسيًا لا خطأً فرديًا.
ازدواجية المعايير: غزة ليست أوكرانيا
المقارنة بين تغطية الحرب على غزة والحرب في أوكرانيا كشفت بوضوح زيف ادّعاء الحياد: في أوكرانيا: تسمية المعتدي بوضوح، استخدام مصطلحات “غزو” و“جرائم حرب”، التركيز على الضحايا. في غزة: تمييع المسؤولية، تبرير العنف، التشكيك في أعداد الضحايا الفلسطينيين، وتبنّي الرواية العسكرية الإسرائيلية كمصدر أولي. هذا التناقض أسقط آخر أوراق التوت عن الخطاب الإعلامي الغربي، وأثبت أن الإنسانية ليست معيارًا موحّدًا في غرف الأخبار.
الصحفيون أنفسهم… تمرّد من الداخل
اللافت أن سقوط الحيادية لم يمرّ دون مقاومة. عشرات الصحفيين في مؤسسات غربية كبرى وقّعوا عرائض احتجاج على الرقابة الداخلية, وقد استقال بعضهم علنًا, وكشف آخرون عن تعليمات تحريرية تمنع استخدام مصطلحات معينة أو نشر صور بعينها.
هذه الشهادات أكدت أن المشكلة ليست فقط في “زاوية التغطية”، بل في سياسات تحريرية خاضعة لضغوط سياسية واقتصادية.
الرأي العام العالمي: الصحافة خسرت احتكار الرواية
رغم هذا الانحياز، لم تنجح الصحافة الغربية في السيطرة على السردية كما في السابق. وسائل التواصل الاجتماعي، الصحافة المستقلة، والمراسلون الميدانيون من غزة لعبوا دورًا حاسمًا في كسر الرواية الرسمية.
ومع تصاعد التضامن الشعبي العالمي مع الفلسطينيين، بات واضحًا أن الجمهور لم يعد يبتلع خطاب “الحياد” الجاهز، بل صار يسأل:
من يملك المنصة؟ ومن يُمنع من الكلام؟
ما بعد غزة: نهاية وهم الحيادية
حرب غزة لم تُسقط فقط صورة “الجيش الأخلاقي”، بل أسقطت أيضًا أسطورة الصحافة المحايدة. ما نشهده اليوم هو تحوّل من سؤال “هل الخبر متوازن؟” إلى سؤال أعمق:
هل الصحافة تقف مع الحق أم مع القوة؟
في هذا السياق، لم تعد الحيادية قيمة أخلاقية بحد ذاتها، بل أصبحت – في كثير من الحالات – تواطؤًا ناعمًا مع الظلم.



