خاص الرقيب – دانية عبدالفتاح
في الوقت الذي تسوق فيه سلطة النقد الفلسطينية لمشروع قانون “خفض استخدام النقد” كخطوة ضرورية لتحديث النظام المالي ومواجهة أزمة السيولة، تبرز أصوات اقتصادية وازنة تحذر من عواقب وخيمة؛ ففي تصريح خاص لـ”الرقيب”، يرى أستاذ الاقتصاد في جامعة بيرزيت، الدكتور طارق عاشور، أن القانون “ليس في وقته” ويأتي لتلبية متطلبات لا تخدم الاقتصاد الوطني، بل قد تجعلنا “حراساً على القوانين الإسرائيلية”. هذا الرأي النقدي يفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات حول الدوافع الحقيقية للقانون، وتأثيره على استراتيجية الشمول المالي، ومستقبل الاقتصاد الفلسطيني.
وبينما تدور النقاشات خلف أبواب مغلقة حول مشروع قانون يهدف إلى تقليص التعاملات النقدية (الكاش)، تطفو على السطح مخاوف جدية من أن تكون هذه الخطوة متسرعة وتخدم أجندات لا تصب بالضرورة في صالح الاقتصاد الوطني. ورغم أن سلطة النقد الفلسطينية تؤكد أن القانون يهدف لمواجهة تحديات مثل فائض الشيكل والضغوط على القطاع المصرفي، إلا أن خبراء يرون القصة من زاوية مختلفة تماماً.
“لسنا بحاجة له الآن”
في حديثه لـ”الرقيب”، يضع الدكتور طارق عاشور، علامات استفهام كبيرة حول توقيت القانون وجدواه، يقول د. عاشور: “كاقتصادي فلسطيني، أنا أرى أن هذا القانون المقترح ليس في وقته وله آثار لا تصب في صالح الاقتصاد الوطني”.
ويوضح أن طرح القانون جاء بناءً على “متطلبات لا علاقة لها بتعليمات بازل” التي تنظم العمل المصرفي عالمياً، ويضيف: “وإن كان وضع سقف للكاش موجوداً عالمياً لغايات مكافحة الجريمة وغسيل الأموال، إلا أن الحالة في فلسطين تختلف كلياً”.
“حراس على قوانين إسرائيل”؟
يكشف الدكتور عاشور عن بُعد أكثر خطورة، معتبراً أن القانون بصيغته الحالية قد يجعلنا منفذين لسياسات إسرائيلية، ويشير إلى أن “هذا القانون يراد منه أن نكون حراساً على القوانين الإسرائيلية في هذا المجال، خصوصاً مع الإعلان عن تخفيض سقف المعاملات النقدية لدى إسرائيل”.
هذه النقطة تحول النقاش من مجرد إجراء فني إلى قضية ذات أبعاد سيادية واقتصادية عميقة، حيث قد يؤدي القانون، بحسب الخبير، إلى “تجريم تعاملات نقدية بين المواطنين الفلسطينيين” بناءً على قواعد لا تناسب خصوصية الوضع الفلسطيني.
ضربة للشمول المالي وسوق موازية
من المفارقات التي يسلط عليها د. عاشور الضوء هي أن القانون الجديد قد يقوض سنوات من العمل الدؤوب، قائلاً: “سيؤدي إلى ضياع جهد كبير بذلته سلطة النقد الفلسطينية خلال السنوات الماضية ضمن استراتيجية الشمول المالي”، محذراً من أنه “سيشجع على نشوء سوق موازٍ خارج القطاع الرسمي المصرفي”.
هذا يعني أن المواطنين والتجار، بدلاً من التحول إلى القنوات الرقمية، قد يلجؤون إلى حلول غير رسمية لتجنب القيود والرسوم، مما يعمق الاقتصاد الخفي بدلاً من دمجه.
“ديمقراطية غير ديمقراطية”
ينتقد الدكتور عاشور أيضاً آلية التشاور حول القانون واصفاً إياها بالغامضة “عادةً الحوارات الوطنية تكون علانية، فهذه أول مرة يمر علينا حوار وطني يتم عن طريق إرسال ملاحظات، لا أحد يعلم من منها سيتم الأخذ به أو من سيتم إهماله؟”. ويختم حديثه بالقول إن هذه الآلية “هي محاولة لإعطاء القانون شرعية عبر ممارسة ديمقراطية غير ديمقراطية”.
في المحصلة، يضع هذا الرأي المتخصص الكرة في ملعب صناع القرار. فبينما تبدو الدوافع التقنية للتحول الرقمي منطقية، تبرز المحاذير الوطنية والاقتصادية كجرس إنذار لا يمكن تجاهله، ويبقى السؤال: هل سيتم المضي قدماً في قانون قد تكون تكلفته على الاقتصاد والمجتمع أعلى من فوائده المرجوة؟