كتب رئيس التحرير – طلعت العلوي
منذ السابع من تشرين 2023، لم تكن الحرب على غزة فقط، بل إعلامية بامتياز. بينما تُلقى القنابل على غزة، تُلقي كبريات الصحف وشاشات التلفزة الغربية قنابلها اللغوية الخاصة، فترسم صورة مشوهة تخدم رواية واحدة على حساب الحقيقة الإنسانية الكاملة. الأرقام لا تكذب، والتحليل يكشف عن انحياز منهجي ومثير للقلق.
لغة بمكيالين تكيل دون حيادية وتشارك في الظلم الواقع علينا:
حين تصبح الكلمات أسلحة تكشف البيانات عن فجوة صارخة في كيفية وصف الضحايا. وفقًا لتحليل أجرته “The Intercept” لتغطية صحف أمريكية كبرى مثل “New York Times” و”Wall Street Journal” و”Washington Post”:
استُخدمت كلمة “مذبحة” (massacre) لوصف مقتل الإسرائيليين 125 مرة، مقابل مرتين فقط لوصف مقتل الفلسطينيين ضمن فترة زمنية محددة. ووُصفت عمليات قتل الإسرائيليين بأنها “ذبح” (slaughter) في 60 حالة، مقابل حالة واحدة فقط للفلسطينيين.كما ظهرت كلمة “مروع” (horrific) لوصف مقتل الإسرائيليين 36 مرة، مقابل 4 مرات فقط للفلسطينيين في جل وسائل الاعلام المنحازة في الغرب.
هذا التفاوت ليس صدفة، بل هو اختيار لغوي يجرّد الفلسطينيين من إنسانيتهم ويضخّم معاناة طرف على حساب الآخر، في هرولة عقيمة خلف السردية التي تتبناها وسائل الاعلام العبرية.
ولا يقتصر التحيز على الكلمات، بل يمتد إلى ما يتم تجاهله عمدًا وبصورة ابشع.
فقد استشهد أكثر من 233 صحفيًا وعاملاً في مجال الإعلام في غزة، هذا العدد المروع، الذي يجعل من غزة المكان الأخطر للصحفيين في العالم، بالكاد يجد له صدى في الإعلام الغربي، الذي احتفى سابقًا بزملائه في مناطق نزاع أخرى. هذا العدد يساوي ما يتقل من صحفيين حول العالم لعامين متتاليين.
اما في حرب المجاعة وهندسة المجاعة وعلى الرغم من تحذيرات وتقارير الأمم المتحدة ومنظمات دولية من أن أكثر من مليون شخص في غزة يواجهون خطر المجاعة. ورغم استشهاد مئات الأطفال وكبار السن بسبب سوء التغذية، ظل هذا الموضوع هامشيًا في التغطيات، بينما ركزت بعض وسائل الإعلام على استطلاعات رأي داخل إسرائيل تظهر عدم تأثر الجمهور بما يحدث.
انها معركة الرواية إن ما نشهده ليس مجرد تغطية غير متوازنة، بل هو توظيف استراتيجي للمنصات الإعلامية والاعلام الرسمي المتحيز لفرض رواية محددة. من خلال تقييد المصطلحات مثل “احتلال” و”تطهير عرقي”، وتجاهل جرائم الحرب، وتجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم، يشارك الإعلام الغربي في تشكيل وعي عالمي منحاز.
إن إدراك هذا التحيز هو الخطوة الأولى نحو المطالبة بتغطية عادلة تحترم الحقيقة، وتعيد الصوت لمن تم إسكاته، ولن يكفي ذلك بل نحتاج ايضا لثورة من الوعي وقدرة على صد الهجمات الاعلامية المعادية والتي تضرب بكل تجيز. ذلك دون ان نغفل ما جرى من انقلاب عالمي حقيقي في الراي العام العالمي على مدار 22 شهرا من الابادة، الا ان المعركة الاعلامية وحرب المصطلحات لن تنتهي حتى لو وضعت الحرب اوزارها.



