“لقد وقفت دفاعاتنا الجوية المتكاملة مثل حائط الصد، ولم يتمكَّن الباكستانيون من اختراقها، وسواء كانت مُسيَّرات تركية أو غيرها، فإنها فشلت في مواجهة التكنولوجيا الهندية”.
بتلك الكلمات علَّق أواديش بهارتي، مدير العمليات الجوية السابق بالجيش الهندي، على أداء الدفاع الجوي لبلاده أثناء المواجهات الأخيرة مع باكستان في مايو/أيار الماضي. كان بإمكان دلهي أن تكتفي بالإعلان عن نجاح دفاعاتها الجوية -وفقا لروايتها الرسمية- دون ذكر تفاصيل، لكن الادعاء العلني أن مُسيَّرات تركية اعتُرِضَت في كشمير يأتي في سياق توتُّر متزايد بين الهند وتركيا بسبب الشراكة العسكرية التركية-الباكستانية، وهي شراكة ظهرت إلى العلن في المعركة الأخيرة.
في أعقاب المعركة القصيرة مؤخرا بين الهند وباكستان، حظرت الهند حساب قناة “تي آر تي وُورلد” التركية على منصة إكس، وعلَّقت اتفاقاتها مع شركة “تشَلبي” لخدمات الطيران (Çelebi Aviation)، التي تعمل في تسعة مطارات هندية، مما أدى إلى هبوط قيمة أسهمها بـ20%. على الصعيد الأكاديمي، علَّقت الجامعات الهندية اتفاقات الشراكة التي عقدتها سابقا مع الجامعات التركية، مثل جامعة جواهر لال نهرو والجامعة المِلِّية الإسلامية وغيرهما.
لم يقتصر التوتُّر على المستوى الرسمي والمؤسسي، بل وصل إلى المستوى التجاري والشعبي، حيث انطلقت حملة مقاطعة للمنتجات التركية في صفوف المواطنين الهنود وبتنسيق من الحركات القومية الهندوسية النشطة في المجتمع. فقد أعلنت هيئة موزِّعي السلع الاستهلاكية في عموم الهند “مقاطعة شاملة ومفتوحة” للواردات التركية التي تُورِّدها الهيئة إلى أكثر من عشرة ملايين متجر، وتُقدَّر قيمتها بنحو رُبع مليار دولار.
في غضون ذلك، امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي في الهند بوسم مقاطعة تركيا “#BoycottTurkey”، بالتوازي مع إعلان شركة “فليبكارت” للتجارة الإلكترونية عن مقاطعة علامات تجارية تركية كبرى مثل “إل سي وايكيكي” و”مافي” و”ترنديول”. وفي الشوارع، حمل المتظاهرون الهنود الداعمون للجيش لافتات لأعلام الصين وباكستان وتركيا تطالب بمقاطعة الدول الثلاث.
إعلان
بيد أن ذلك التوتُّر بين تركيا والهند لم يكن وليد الحرب الأخيرة وحدها، ولم يظهر في يوم وليلة، بل بدأت إرهاصاته منذ سنوات، حين أخذت تركيا تؤيد باكستان في ملف كشمير بشكل متزايد، وأطلقت العنان لتصريحات دبلوماسية حادة بعد أن ألغت الهند الوضع الدستوري الخاص لولاية جامُّو وكشمير ذات الأغلبية المسلمة.
وكانت الولاية تتمتَّع بوضع يُراعي أوضاع المسلمين فيها، ولا يسمح للهنود من خارجها بتملُّك الأراضي، حتى قرر رئيس الوزراء الهندي نارِندرا مودي وحزبه القومي الهندوسي إلغاء القانون عام 2019، وهو العام نفسه للمفارقة الذي دشَّنت فيه تركيا إستراتيجية جديدة تجاه القارة الآسيوية.
إستراتيجية “آسيا من جديد”
في الخامس من أغسطس/آب عام 2019، دشَّنت تركيا ما سمّته رؤية “آسيا من جديد”، التي قضت بضرورة وجود تركيا الفعَّال عسكريا ودبلوماسيا وتجاريا في قارة آسيا، بشكل يتجاوز دوائر الاهتمام التركي التقليدية المنحصرة في دول آسيا الوسطى الناطقة باللغات التركية وفي التحالف التاريخي مع باكستان والعلاقات الثقافية الجيدة مع ماليزيا وإندونيسيا.
كانت تركيا مدفوعة حينها بضغوط توتُّر علاقاتها مع أوروبا والولايات المتحدة، ورغبتها في فتح نوافذ بديلة لتشكيل تحالفات في النظام الدولي بعيدا عن الناتو، مثلما فعلت بالتقارب مع روسيا.
علاوة على أن ميزانها التجاري مع كلٍّ من الصين والهند كان مختلا لصالح العملاقين الآسيويَّيْن، ومن ثمَّ حاولت الدولة التركية تدعيم حضورها التجاري من أجل فتح فرص أمام الشركات التركية كي تنشط في الدول الآسيوية الكبيرة، وتزيد من صادراتها إلى هناك.
ولكن ما لفت الأنظار هو الحضور العسكري عن طريق صفقات السلاح أو النشاط البحري، لا سيَّما في منطقة القرن الأفريقي التي تُعد بوابة مهمة إلى آسيا والمحيط الهندي. كانت الصومال واحدة من أوائل الدول التي شهدت تأسيس قاعدة عسكرية وحضورا تركيا صريحا، حيث تعمل القاعدة التركية “توركسوم” الأكبر من نوعها خارج تركيا في مقديشو منذ عام 2017.
بموجب اتفاق جرى توقيعه في فبراير/شباط 2024، تحصل تركيا على 30% من العوائد التي تتحصَّل عليها الصومال من منطقتها الاقتصادية الخالصة، مقابل إعادة بناء وتسليح البحرية الصومالية وتدريب الضباط الصوماليين، وهي تكلفة لا تراها الصومال كبيرة بالنظر إلى أنها تتكبَّد خسائر سنويا بقيمة نصف مليار دولار بسبب عمليات الصيد غير القانونية.
وبعد بضعة أشهر، تحديدا في سبتمبر/أيلول الماضي (2024) نقلت بعض التقارير أن تركيا تُجري نقاشات مع الصومال لتأسيس موقع لاختبار الصواريخ الباليستية والفضائية، بالنظر إلى موقع الصومال المثالي قرب خط الاستواء لإطلاقات من هذا النوع. وكانت تركيا قد أسَّست برنامجا صاروخيا تحت رعاية شركة “روكِتسان”، وأعلن أردوغان قبل ثلاثة أعوام بالفعل عن إنتاج صواريخ “تايفون” المحلية التي يبلغ مداها 560 كيلومترا، وهو ضِعْف مدى ما امتلكته تركيا سابقا من صواريخ.
وفي أبريل/نيسان الماضي (2025)، وقَّع البلدان اتفاقية بخصوص استكشاف النفط والغاز قبالة السواحل الصومالية، وحصلت فيها تركيا على مزايا استثنائية، أهمها حقها في استخراج 90% من النفط الذي يُنتج سنويا، مع الحصول من أرباحه على ما يُغطي نفقات استخراجه قبل أن تتوزَّع الأرباح. علاوة على ذلك، يحِق لتركيا تسويق نصيبها من النفط المُستخرج في الأسواق العالمية مباشرة دون تقديم نفقات إضافية للحكومة الصومالية.
في الصيف الماضي، وصلت الصناعات العسكرية التركية إلى كينيا أيضا، بتوقيع اتفاق لتصدير مُسيَّرة بيراقدار إلى نيروبي، وتدريب ضباط من الجيش الكيني على تشغيلها، وكانت المُسيَّرة قد دخلت إلى الخدمة بالفعل لدى إثيوبيا وجيبوتي والسودان. وتجدر الإشارة إلى أنها تلعب دورا بالفعل في تعقُّب آثار حركة الشباب الصومالية في خضم جهود مكافحتها من جانب الجيش الصومالي.
سفن ترسو في ميناء الحاويات الوطني الرئيسي في الصومال، والذي تديره شركة تركية، في 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2022 (غيتي)
في قلب المحيط الهندي
بالتزامن مع ذلك، تمدد الحضور التركي وتزايدت بصماته العسكرية والصناعية في المحيط الهندي. ففي عام 2024، وقَّعت المالديف مع تركيا عقدا للحصول على سِت مُسيَّرات تركية، واستضافت البلاد السفينة الحربية التركية “كينالي أدا”، بالتزامن مع توتُّر علاقات المالديف بقيادة رئيسها محمد مُعِز مع الهند.
وفي مطلع هذا العام، أرسلت تركيا الزورق الهجومي “فولكان”، وهو زورق قديم في الأسطول التركي تم تجديده، إلى المالديف في خطوة أثارت دهشة بعض المتابعين بالنظر إلى غياب أي خصوم مباشرين للبلد الصغير المُكوَّن من عدد من الجزر المعزولة نسبيا عن الصراعات العسكرية في العالم.
وفي سريلانكا، تُسهم أنقرة منذ عام 2021 في تحديث القوة البحرية للدولة الجزيرة الواقعة جنوب الهند، وصاحبة العلاقات الوطيدة بالصين. وفي باكستان وبنغلاديش، أصبحت أنقرة ثاني أكبر مُورِّد سلاح بعد الصين، وبرز التعاون البحري بين تركيا وباكستان عبر مشروع بناء الفرقاطة “ميلغَم” الذي بدأ عام 2018، وشهد تعاونهما في إنتاج أربع فرقاطات من ذلك الطراز؛ اثنتان منهما في كراتشي، مع اتفاق على نقل التكنولوجيا إلى باكستان. وقد دخلت فرقاطتان الخدمة بالفعل، “بابور” و”بدر”، في حين تنتظر القوات الباكستانية دخول فرقاطتيْن أُخرييْن، “خيبر” و”طارق”، في نهاية عام 2025.
في الواقع، كانت الهند ذاتها هدفا لتصدير الصناعات العسكرية التركية قبل نحو عَقْد، حيث وقَّعت دلهي عقدا بقيمة ملياريْ دولار مع شركة “أناضولو” التركية لتقديم خدمات في صناعة السفن للبحرية الهندية. غير أن الصلات الوثيقة بين تركيا وباكستان دفعت دلهي إلى إلغاء الاتفاق، ففي تصريح لموقع “دويتشه فيلله” الألماني، قالت تارا كارتا، العضو السابق بمجلس الأمن القومي الهندي: “رسميا، أشارت الهند إلى سياساتها من أجل تدعيم قدراتها المحلية في صناعة السفن، كي تُبرِّر إلغاء الاتفاق مع أناضولو، لكن من المعروف على نطاق واسع أن عدم ارتياح الهند لعلاقات تركيا مع باكستان لعب دورا حاسما في القرار”.
ما إنْ أُلغي الاتفاق حتى اتخذت تركيا قرارا بوقف أي صادرات عسكرية إلى الهند، ومن ثمَّ ازدادت العلاقات برودا، واستمر التوتُّر المكتوم طيلة السنوات الماضية حتى ظهر صراحة مع الحرب القصيرة الأخيرة بين الهند وباكستان، فقد أصدرت تركيا بيانات إدانة للعملية العسكرية الهندية، على عكس معظم الدول الإسلامية التي أصدرت بيانات دبلوماسية متوازنة ومُطالبة بالتهدئة، في حين ردَّت الهند بتحريك القواعد الشعبية للحركات القومية الهندوسية كي تستهدف المصالح التركية بالمقاطعة.
لم يقتصر الدور التركي في تلك الحرب على بيانات الإدانة، فقد شهدت الحرب استخدام باكستان لأنظمة تسليح تركية، وأشارت مصادر هندية مثل صحيفة “إنديا توداي” أن أنقرة قدمت دعما مباشرا لباكستان أثناء الحرب، حين حطَّت طائرة النقل العسكري “سي 130” في مطار كراتشي، كما رَسَت فرقاطة من طراز “أدا” في ميناء كراتشي.
يُجادل المسؤولون الأتراك من أنصار الرؤية الأوراسية بأن تشكيل تحالف مع الصين هو الخيار الأمثل لتركيا في آسيا، في حين يقول المحافظون والتقليديون إن أنقرة عليها أن تُراعي حساسيات موقعها في حلف الناتو وأولويات الولايات المتحدة وأوروبا في المنطقة. في غضون ذلك، بدأت الهند ترُد بدورها على الإستراتيجية التركية المتعارضة إلى حدٍّ كبير مع إستراتيجيتها في آسيا، ومن ثمَّ شكَّلت علاقات عسكرية وسياسية قوية مع خصوم تركيا، وعلى رأسهم أرمينيا واليونان وقبرص وإسرائيل.




