عندما نزل موسى عن جبل سيناء، يحمل ألواح العهد، لاحظ أن أبناء شعبه، إسرائيل، يحتفلون حول عجل من الذهب. وحطم ألواح العهد. وقال لنفسه: شعب غير جدير بتلقيها.
لم يعد لنتنياهو الكثير مما يحطمه. هذا الأسبوع سقط الإعلام الرسمي (الهسبرا) أيضاً. الحقيقة، نوع من العجل الذهبي الذي بدأ الإسرائيليون فجأة يسجدون له، ينمون إيماناً مغلوطاً ما لأنه سيجلب لحياتهم، لحياتنا، النجاة والأمل. إذن لا. الحقيقة في ألواح العهد، الحقيقة هي السياسة التي اتخذتها وتتخذها إسرائيل – وهذه السياسة هي عجل ذهبي لا يمكنه إنقاذنا.
أنا مؤمن كبير بالإعلام الرسمي، أو بتعريفه الأدق – “الدبلوماسية العامة”. ولماذا الأدق؟ لأنه يعزوها لعالم الدبلوماسية ويبرز جانباً جديداً ومختلفاً جداً من هذا العالم: إدارة شؤون الدبلوماسية في العلن، وفي شفافية وتجاه جماعات واسعة، وشعوب كاملة أو مجموعات وطوائف تتجاوز أحياناً الحدود الجغرافية والقومية. هكذا تعمل الشبكات الاجتماعية في أيامنا.
لقد كان الأمريكيون أول من جعلوا الدبلوماسية العامة أداة في سياستهم الخارجية فعززوها بالأدوات والوسائل للتأثير والإقناع، وجعلوها أيضاً في الأبحاث العميقة التي مهمتها فحص التأثير وتوثيقه وتحسينه.
لقد اندفعت الدبلوماسية العامة إلى مقدمة الساحة الرئيسية بعد الحرب العالمية الثانية في المعركة بين القوتين العظميين، الولايات المتحدة وروسيا، وعلى النفوذ في العالم ما بعد الحرب. وقد أفلت فور سقوط برلين في نهاية الثمانينيات فيما مال الناس لتسميته خطأ “نهاية التاريخ”، لكنها عادت وبقوة عندما انهار البرجان التوأمان في 11 أيلول ودخل العالم في معمعان الحرب الحضارية، واضطر للعودة للدبلوماسية العامة مرة أخرى للإقناع والتأثير.
التاريخ الإسرائيلي مليء هو الآخر بالدبلوماسية العامة. في بداية أيام الدولة وفي فصول أخرى، مثلما بعد 1967 وبقدر ما بعد 1973 تمتعنا برأي عام إيجابي وبعطف كبير. لكن ينبغي الاعتراف بأننا فقدنا ائتماننا الدولي بالتدريج. فالسيطرة المتواصلة في “مناطق”، الرفض الثابت لكل تسوية سياسية، وفي النهاية الصراع العلني والجماهيري على الديمقراطية الإسرائيلية، سحق مكانتنا في الأسرة الدولية وصعب الحال علينا.
وعندها جاء 7 أكتوبر. كانت هذه لحظة رهيبة في تاريخ إسرائيل، تاريخ الشعب اليهودي – فذهل العالم. إسرائيل خرجت إلى معركة كبرى عادلة وشرعية، وضربت أعداءها من كل حدب وصوب. هذه المعركة استقبلت جيداً، وتمتعت إسرائيل بدعم وإسناد، ولكن بعد 20 شهراً من القتال انهارت تماماً. ما نراه في الأسابيع الأخيرة، في الأيام الأخيرة، هو انهيار في مكانة إسرائيل الدولية ومؤسساتها، وفي مكانة مواطنيها أيضاً أولئك الذين يعيشون فيها وأولئك الذين يحملون اسمها في أرجاء العالم.
نجحت إسرائيل طوال سنين في صد حملة الـ BDS. لقد حاول الفلسطينيون عبثاً إلصاق وصمة العنصرية بنا، وكذلك السلب والتطهير العرقي، وقدرنا عليهم. صحيح أننا لم نفعل هذا وحدنا. فثمة دول، ومنظمات دولية، وأصدقاء إسرائيل وبالطبع جاليات يهودية، كلها ارتبطت لإزالة هذه الوصمات عن إسرائيل وإبعاد التهديدات المختلفة عنها. أما الآن، فهي تتحقق أمام ناظرينا.
بالقوة فقط؟
عندما ضاق الحال عليهم، توجه الإسرائيليون إلى الإعلام الرسمي (الهسبرا)، إلى الدبلوماسية الإسرائيلية العامة. يقولون: لو أن الهسبرا كانت نشطة، لو كان لنا إعلاميون جيدون وميزانية مناسبة، لكان كل شيء مختلفاً. أنا مؤمن بالهسبرا، عملت بها، كتبت وبحثت. لكن الحالة التي أمامنا باتت أكبر من الدبلوماسية العامة.
لو كنا حققنا بعضاً من توصيات مراقب الدولة، وتوصيات لجان التحقيق المختلفة والطواقم المهنية الخاصة لسهل علينا الكثير، لكن ما كان بوسعنا بمعونتها صد هذه الهجمة. هذا الفشل ليس فشل الدبلوماسية العامة، بل فشل الحكومة. الهسبرا تشرح السياسة ويمكنها حتى أن تؤثر عليها، لكن من اللحظة التي انطلقت فيها سياسة القوة الحالية على الدرب، توقعنا “الانفجار الكبير”. صفر مراعاة للرأي العام، ولأصدقائنا المختلفين، باستثناء بالطبع الولايات المتحدة، وتجاهل تحذيرات مسبقة أدى بنا إلى الكارثة.
من كان يصدق أنه بعد 7 أكتوبر ستأتي فرنسا وبريطانيا ودول أخرى لتعترف أو تفكر بأن تعترف بدولة فلسطينية؟ ما الذي حصل، هل جن العالم؟ هل يتلقى الفلسطينيون الآن جائزة على أفعال قتل واغتصاب وتنكيل، وبالطبع – على احتجاز مخطوفينا؟ إلى هذا المكان جاءت بنا الحكومة، وزراؤها ونوابها، بتصريحات غير مسؤولة وبأفعال تجاهلت القانون الدولي، النقد والتحذيرات المسبقة.
الجوع الذي انتشر في غزة حل على ضميرنا. تحاول إسرائيل أن تغطي على قصور الآونة الأخيرة و”تغرق” غزة بالغذاء. لا أعرف إن كان الحال هكذا، وحتى إن كان، لا أحد يمكنه محو الضرر المتراكم دفعة واحدة، ولا أحد يمكنه أن يحول الميول المتبلورة في العالم تجاه إسرائيل. قليل جداً ومتأخر جداً.
إذن تسألون، هل سنخرج من هذا؟ وكيف سنخرج؟ أولاً، لست واثقاً بأننا سنخرج. لكن ربما الطريق الوحيد ليس مؤتمراً صحافياً آخر، أو إعلاناً أو تعييناً لمتحدث لمنظومة الهسبرا الفاشلة، بل سياسة تأخذ بالحسبان أن خلف حدودنا ناساً – نساء، شيوخاً، أطفالاً وحتى رجالاً – ممن ليسوا رجال حماس ولا من نشطائها، وهم من يدفعون الثمن.
صحيح أن حماس تفعل ما تعرفه، لكن الادعاءات توجه إلينا؛ لأننا القوة المسيطرة في القطاع: 75 في المئة من الأرض، كما يجدر التذكير.
نحمان شاي
معاريف 1/8/2025




