الحرب الاقتصادية على الضفة
خاص الرقيب -دانية عبدالفتاح
من أين بدأت الأزمة؟ وكيف انتهت؟
في مشهدٍ لا يبتعد كثيرًا عن ذاكرة الأيام القليلة الماضية، تشهد مدن الضفة المحتلة ازدحامًا شديدًا أمام محطات الوقود، حيث اصطفت المركبات في طوابير طويلة استمرت لساعات، وسط حالة من التوتر والتذمر، وانتهى الأمر بنفاد مؤقت للوقود في عدد من المحطات.
انطلقت الأزمة عشية تصاعد التوتر العسكري بين إسرائيل وإيران، وما رافقه من شائعات ومخاوف شعبية حول احتمال انقطاع إمدادات الوقود. هذه المخاوف تفاقمت بفعل أزمة مستمرة منذ أشهر تتعلق بفائض السيولة النقدية بالشيكل داخل البنوك الفلسطينية، نتيجة امتناع دولة الاحتلال عن استعادة عملتها من السوق الفلسطينية، وهو ما عرقل قدرة محطات الوقود على تحويل الأموال لهيئة البترول، المزوّد الرسمي للمحروقات.
غياب التوريد خلال عطلة نهاية الأسبوع، وتهافت المواطنين على تعبئة المركبات، شكّل بيئة مثالية لانفجار الأزمة، وإن كانت قصيرة الأمد.
الهيئة العامة للبترول دخلت على خط الأزمة، حيث تم الإعلان عن توريد 2 مليون لتر محروقات و60 ألف أسطوانة غاز، بالتزامن مع تطمينات من نقابة أصحاب محطات الوقود بأن التوريد سيستمر بوتيرته المعتادة. وبالفعل، عادت الأمور تدريجيًا إلى طبيعتها، لكن الأسئلة الأكبر بدأت بالظهور: ماذا لو استمرت هذه الأزمة؟
بين الطوارئ والتخطيط.. هل لدينا خطة بديلة؟
ما كشفت عنه أزمة الوقود الأخيرة لا يتعلق فقط بنقص عابر في مادة حيوية، بل يُعري هشاشة منظومة الطاقة الفلسطينية أمام أي خلل، سواء كان سياسيًا، ماليًا أو حتى نفسيًا – كالتهافت الشعبي المبني على إشاعات أو مخاوف.
إن قدرة القطاع على الصمود مستقبلاً، تتطلب إعادة التفكير في السيناريوهات البديلة، وتفعيل أدوات التنبؤ والاستعداد، على مستوى السياسات والموارد، وحتى السلوك الاستهلاكي للمواطن.
هل يكفي اليوم وجود 270 محطة مرخصة لتأمين حاجات السوق في أوقات الذروة أو الأزمات؟ وهل ما زال مقبولًا أن تعتمد هذه المحطات على دورة تخزين قصيرة المدى لا تكفي أكثر من 72 إلى 80 ساعة في بعض الحالات؟
ربما أصبح من الضروري النظر في زيادة مخزون الطوارئ لدى المحطات، بالتوازي مع تنظيم الاستهلاك، لا من باب التقنين القسري، بل من منطلق عقلنة الاستهلاك.
وفي وقت تتجاوز فيه أسعار الوقود في فلسطين المعدلات العالمية بسبب الضرائب، فإن تشجيع التحول نحو السيارات الهجينة أو الكهربائية لم يعد رفاهية بيئية، بل ضرورة اقتصادية وأمنية. فخفض الاعتماد على الوقود المستورد من إسرائيل، يساهم في تقليل الضغط على المالية العامة، ويُخفف التبعية لمنظومة طاقة لا تخضع للسيادة الفلسطينية.
كما ان منح إعفاءات ضريبية أو حوافز جمركية على استيراد المركبات الهجينة قد تشكل خطوة ذكية في هذا الاتجاه، تمامًا كما فعلت دول الجوار لتقليل استهلاكها من المحروقات.
بل إن تنظيم حركة المركبات بناءً على نظام الفردي والزوجي كما جرى في الأردن عام 1991، لم يعد مستبعدًا في حالات الطوارئ، خصوصًا مع ارتفاع عدد المركبات إلى ما يقارب النصف مليون مركبة في الضفة الغربية.
وعلى المدى المتوسط، تبرز أهمية تفعيل اتفاقيات الاستيراد البديلة، كمذكرة التفاهم مع العراق لاستيراد النفط، والتي لا تزال في أدراج السياسة.
أمام هذا الواقع، قد تكون المقاربة المتكاملة بين وزارات الاقتصاد، والمالية، والنقل والمواصلات، هي السبيل الوحيد لبناء استراتيجية صمود حقيقية، تنظر إلى أمن الطاقة كعنصر سيادي لا يقل أهمية عن الغذاء والماء.
حين يتكرر المشهد، لا يكون العذر في المفاجأة، بل في غياب الاستعداد.



