خاص – الرقيب
في ظل أزمة اقتصادية طاحنة يعيشها الفلسطينيون، تتعرض الصناعة المحلية لضغط مزدوج: غياب الحماية الحقيقية من جهة، والإغراق المنظم للسوق بسلع أجنبية رخيصة من جهة أخرى. ورغم محاولات الحكومة الجديدة كبح هذا النزيف، إلا أن الطريق لا يزال مليئًا بالتحديات، ويتطلب تغييرًا جذريًا في السياسات والتوجهات.
وزير الصناعة الفلسطيني عرفات عصفور، الذي أعادت حكومته إحياء وزارة الصناعة بعد سنوات من التهميش، يرى أن المسألة لم تعد خيارًا بل ضرورة وطنية ملحة، مؤكدًا أن “ضياع عنوان الصناعة طيلة عشرين عامًا أفقدها حمايتها”، وأن غياب من يدافع عنها تركها لقوانين السوق والتهريب.
من الخلل البنيوي إلى الإغراق الممنهج
يشير عصفور إلى أن الصناعات المحلية تعاني من منافسة غير عادلة نتيجة إدخال بضائع مستوردة بمعايير ومواصفات رديئة وبأسعار متدنية. ويقول:
“ليس من المنطقي أن نُغرق سوقنا ببضاعة تُستورد بفواتير بعضها مزورة، تُباع بعُشر قيمتها الحقيقية، وتنافس صناعتنا التي تُثقلها الضرائب وكلفة الإنتاج المرتفعة.”
ويُقدّر حجم البضائع التي يمكن الاستغناء عن استيرادها بما يزيد عن 2 مليار دولار سنويًا، منها 1.6 مليار من إسرائيل ونحو 500 مليون من دول أخرى، مؤكدًا أن 36 سلعة يمكن إنتاجها ودعمها محليًا خلال عام إلى عامين.
إجراءات خجولة ومقاومة بطيئة للإغراق
من الإجراءات التي بدأت بها الوزارة ما وصفه عصفور بـ”تحول نوعي” من خلال قرار إلزامي باستخدام المنتج الوطني بفارق سعري 15% في العطاءات الحكومية.
“لم تعد الأفضلية كافية، الآن هناك إلزام. إذا كان الفرق أقل من 15%، فأنت ملزم باستخدام المنتج المحلي.”
كما شُكلت لجنة الحماية الجمركية، وبدأت الوزارة بالعمل على مشروع الباركود الوطني لضبط التلاعب في البيانات، الذي يكلّف الخزينة الفلسطينية مئات الملايين سنويًا.
ويضيف:
“بمجرد ضبط البيانات والباركود، سنكون قد سيطرنا على 80% من حركة التجارة. السوق مستباح اليوم، والعدالة التجارية غائبة.”
الصناعي يتحول إلى تاجر… بسبب السياسات
عصفور لم يتردد في تحميل الحكومات السابقة جزءًا كبيرًا من المسؤولية، قائلاً:
“الصناعة تراجعت لأن الصناعيين تحولوا لتجار، بفعل غياب الحماية وتسهيلات الحكومة. أرباح سريعة بلا استثمار حقيقي، فهل نلومهم؟”
ويشير إلى أن الحكومات المتعاقبة كانت تركّز فقط على المقاصة من أجل دفع الرواتب، على حساب دعم الصناعة وبناء بدائل اقتصادية.
في المقابل، قدّم الوزير مثالًا ناجحًا:
“قطاع الألبان المحلي كان يشكل 25% من السوق عام 2012، اليوم يتجاوز 87%. لم ينجح لأنه حُمي فقط، بل لأنه استثمر في الجودة ونافس فعليًا.”
خطة وطنية للصناعة… أم مجرّد نوايا؟
رغم كل التحديات، يرى عصفور أن الباب لم يُغلق بعد، كاشفًا عن قرب توقيع “برنامج وطني لفلسطين” بالتعاون مع “اليونيدو” (UNIDO)، والذي سيوفر عشرات ملايين الدولارات لدعم التنمية الصناعية على مدار خمس سنوات.
لكنه عاد ليؤكد أن النجاح لن يتحقق دون إرادة سياسية حقيقية:
“ربّنا لا يسمع من ساكت. الصناعة بحاجة لمن يقاتل من أجلها، من يخلق أنظمة وتعليمات تنفذ القانون لا من يُدخله في الأدراج.”
وعن تمثيل القطاع الصناعي: اكد عصفور ان الاتحاد العام للصناعات هو الجهة المخولة بتمثيل مصالح القطاع الصناعي، بالتكامل والعمل المشترك مع كافة الجهات الراعية للصناعة بما فيها اي تقاطعات مع الغرف التجارية ايضا.
خلاصة الرقيب:
المعركة الصناعية ليست فقط ضد الاحتلال بل أيضًا ضد البيروقراطية والتقصير الداخلي. الإغراق ليس صدفة، بل سياسة ممنهجة يجب التصدي لها بإرادة وتشريعات صارمة. فهل تنجح الحكومة الجديدة أخيرًا في جعل المنتج الفلسطيني أولوية فعلية لا مجرد شعار؟
“إن لم نبدأ اليوم، فلن نصل غدًا. إن خفّضنا فاتورة المقاصة 1% شهريًا، نصل خلال عام إلى 10%. هذا ليس خيالاً، بل إرادة.” – عرفات عصفور



