خاص الرقيب
في ظل ما وصفه الخبراء بـ”الانهيار الاقتصادي البطيء”، تتعالى الأصوات مجددًا لمطالبة الحكومة بتغيير المسار الاقتصادي القائم، عبر إعادة الاعتبار للقطاعات الإنتاجية وفي مقدمتها الزراعة والصناعة الوطنية، كأدوات استراتيجية لمواجهة التبعية المالية والهيمنة التجارية الإسرائيلية، وتحديدًا في ظل استمرار أزمة المقاصة وطرد العمال.
في مقابلة إذاعية ضمن برنامج “حديث الرقيب”، أطلق الأستاذ كامل مجاهد، رئيس جمعية رجال الأعمال الفلسطينيين، جملة من التصريحات الصريحة عبر اذاعة الرقيب، ووجّه نقدًا لأداء الحكومات المتعاقبة، واصفًا النهج الاقتصادي الرسمي بأنه “تجاري صرف يتبنى الجباية، ويُقصي كل ما هو إنتاجي”.
“لم يعد مقبولًا أن نكون مجتمعًا يستهلك فقط. الأزمة التي نعيشها هي نتيجة طبيعية لحكومات اختارت طريق الاستيراد، وتخلّت عن دعم الإنتاج.”
الزراعة: قطاع قادر على تعويض الفاقد.. لكن بلا قرار
استعرض مجاهد حجم الاعتماد الفلسطيني على السوق الإسرائيلي في استيراد الغذاء، مشيرًا إلى أن 90% من اللحوم الحمراء التي تُستهلك في الضفة تأتي من إسرائيل، رغم توفر الأرض والمناخ والخبرة.
“لدينا إمكانيات لإنتاج غذائنا، لكننا نُصر على البقاء رهائن على أبواب التجار الإسرائيليين. هذا ليس عجزًا، بل تقصير سياسي بامتياز.”
وأضاف أن القطاع الزراعي قادر على امتصاص آلاف العمال العائدين من الداخل المحتل، وتوفير الأمن الغذائي بشكل تدريجي، لكنه بقي “خارج دائرة الدعم الحقيقي”، في حين يُركّز الإنفاق الحكومي على الاستهلاك والرواتب فقط.
الصناعة: حصار مزدوج من الاحتلال والسياسات الحكومية
يُشير مجاهد إلى أن الصناعات الوطنية تُواجه “حصارًا مزدوجًا”، أحدهما خارجي من القيود الإسرائيلية، والآخر داخلي يتمثل في الإهمال والتهميش.
“المُنتج المحلي يُقاتل وحده، بلا حماية ولا إعفاءات. الذي يُنتج لا يُدعَم، والذي يُغرق السوق بالبضائع المستوردة يُكرّم.”
وسرد مثالًا حيًّا عن انهيار قطاع الأحذية في الخليل، الذي كان منافسًا عالميًا، قبل أن يُغرق السوق الفلسطيني ببضائع مستوردة أرخص، دون فرض أي رسوم حمائية، رغم أن الصناعة المحلية توفر فرص عمل وتعيد ضخ الأموال داخل الاقتصاد.
حكومة لا تراجع ولا تقييم
وجه مجاهد انتقادات حادة للحكومات الفلسطينية، واصفًا إياها بأنها تكرر نفس السياسات منذ سنوات، دون مراجعة للأخطاء أو بناء رؤية وطنية بديلة.
“أين هي الورشات الوطنية لتقييم الأداء؟ أين هي القرارات الشجاعة لحماية المنتج المحلي؟ كل حكومة تأتي لتُعيد تدوير الأزمة، لا لحلّها.”
وانتقد ما وصفه بـ”الخدعة المستمرة” في الحديث عن الشراكة مع القطاع الخاص، قائلاً:
“ما يُقال عن شراكة هو مجرد حبر على ورق. القطاع الخاص في الأزمات دائمًا هو المبادر، بينما الحكومات تنتظر الخارج ليحلّ مشكلتها.”
كما اكد مجاهد على جهود جمعية رجال الاعمال في تفعيل مجالس الاعمال التي تمثل فرصة لدعم الاقتصاد، وتعظيم فرص الاستثمار، وهناك افق متين يمكن البناء عليه.
أرقام تكشف حجم الانهيار
-
16 مليار شيكل حجم الدين العام.
-
5 مليار شيكل ديون خارجية.
-
11 مليار شيكل ديون للقطاع الخاص، منها:
-
2 مليار شيكل للقطاع الصحي.
-
700 مليون شيكل للمقاولين.
-
هذه الأرقام تعكس – وفق مجاهد – حالة “الشلل الكامل في الحركة الاقتصادية”، محذرًا من موجة إفلاسات، وتوقف المشاريع، وتكدّس السيولة في البنوك دون استثمار.
توصيات لا تحتاج تمويلاً بل قرارًا
يرى مجاهد أن النهوض لا يحتاج إلى معجزات بل إلى إرادة سياسية. ومن أبرز التوصيات التي طرحها:
-
فرض رسوم حماية على المنتجات المستوردة من إسرائيل.
-
تقديم دعم مباشر للمشاريع الصناعية والزراعية الإنتاجية.
-
تسويق المنتجات الفلسطينية وتوسيع أسواقها بدعم دبلوماسي.
-
فتح الشراكات مع دول مستعدة لدعمنا مثل ماليزيا وجنوب إفريقيا وروسيا.
“نحن لا نطلب المال من الحكومة، نطلب منها فقط أن تتوقف عن محاربة المنتج المحلي.”
خلاصة الرقيب:
الصناعة والزراعة ليستا قطاعين هامشيين، بل شرط بقاء اقتصادي. والاستمرار في الاستيراد يعني استمرار التبعية والابتزاز السياسي.
أما الحل، فيبدأ بقرار سيادي واحد: أن ننتج ما نأكل، وأن نحمي ما ننتج.
“الاحتلال يسرقنا بالمقاصة، ونحن نسلمه السوق بلا مقاومة. فمتى ندرك أن الإنتاج هو شكل من أشكال الصمود؟” – كامل مجاهد



