عبد الحميد صيام
الأمم المتحدة- “القدس العربي”: حذر نائب المنسق الخاص للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط، رامز الأكبروف، من أن الأوضاع في الضفة الغربية تشهد تدهوراً سريعاً، مؤكداً أن تصاعد العنف خلال الأيام الأخيرة يزيد من تعقيد الأزمة الإنسانية والسياسية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ويهدد بتوسيع دائرة التصعيد ما لم تُتخذ خطوات عاجلة لعكس هذا المسار.
وخلال إحاطته أمام مجلس الأمن بشأن الوضع في الشرق الأوسط، قال الأكبروف إن الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة شهدت تحسناً محدوداً خلال الفترة الأخيرة، لكنه شدد على أن هذا التحسن ما يزال بعيداً عن تلبية الاحتياجات الهائلة للسكان. وأوضح أن الأسابيع الماضية شهدت تقدماً في إزالة النفايات الصلبة من بعض المناطق وإدخال معدات وإمدادات خاصة بخدمات الصرف الصحي، معرباً عن تقديره للتسهيلات التي قدمتها السلطات الإسرائيلية في هذا المجال، إلا أنه أكد أن هذه الإجراءات تبقى غير كافية.
وأضاف أنه لمس خلال زيارته الأخيرة إلى غزة استمرار معاناة السكان في ظل النزوح المتواصل، والاكتظاظ، والدمار الواسع، وسقوط ضحايا بشكل شبه يومي نتيجة العمليات العسكرية الإسرائيلية، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى ما وصفه بإصرار الفلسطينيين على إعادة بناء حياتهم رغم الظروف الصعبة، من خلال استمرار العاملين في القطاع الصحي والمنظمات المجتمعية في تقديم الخدمات وإعادة تأهيل المرافق الأساسية بالتعاون مع الأمم المتحدة وشركائها.
وأشار الأكبروف إلى أن تقرير التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) الصادر الأسبوع الماضي أظهر تحسناً في مؤشرات الأمن الغذائي والتغذية في قطاع غزة، إلا أن الوضع لا يزال هشاً للغاية، وأن معظم الأسر ما زالت تعتمد على المساعدات الإنسانية باعتبارها شريان الحياة الوحيد، محذراً من أن اقتراب فصل الشتاء يقلص الوقت المتاح لتوفير المأوى الملائم للنازحين.
وأكد أن التوسع في العمليات العسكرية الإسرائيلية وزيادة المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي يضاعفان الضغوط على السكان، الذين باتوا محصورين في نحو ثلث مساحة قطاع غزة، مشدداً على أن غزة ما تزال من أخطر البيئات التي تعمل فيها الأمم المتحدة، ومجدداً الدعوة إلى احترام القانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين والعاملين في المجال الإنساني وعدم عرقلة إيصال المساعدات.
وأوضح أن المساعدات الإنسانية وحدها لن تضع غزة على مسار التعافي، داعياً إلى تسريع مرحلة التعافي المبكر عبر إعادة تأهيل البنية التحتية، واستعادة سبل العيش، وتوفير مساكن لائقة، ودعم المؤسسات الفلسطينية القادرة على قيادة إعادة الإعمار. كما رحب بالخطوات التي أعلنتها السلطات الإسرائيلية في 26 يوليو لتسهيل نشر قوة الاستقرار الدولية في غزة، معتبراً أن هذه الإجراءات ينبغي أن تصب في هدف سياسي يتمثل في إعادة توحيد الضفة الغربية وقطاع غزة تحت حكومة فلسطينية واحدة، وإنهاء الاحتلال، واستئناف المسار السياسي نحو حل الدولتين، مع مراعاة المخاوف الأمنية الإسرائيلية.
وفي الضفة الغربية، قال الأكبروف إن الأسبوع الماضي شهد تصاعداً خطيراً في أعمال العنف أسفر عن سقوط ضحايا مدنيين ونزوح سكان وتدمير ممتلكات. وأشار إلى استمرار هجمات المستوطنين ضد التجمعات الفلسطينية والمنازل ودور العبادة والبنية التحتية المدنية، إلى جانب استمرار الهجمات الفلسطينية ضد الإسرائيليين، مؤكداً أن جميع هذه الأعمال أوقعت خسائر في صفوف المدنيين.
وأوضح أنه في 23 تموز/ يوليو قُتل فلسطينيان، أحدهما طفل، خلال مواجهات مع مستوطنين إسرائيليين أعقبت اندلاع حريق في أراضٍ زراعية جنوب شرقي نابلس، بينما شهد اليوم التالي أحداث عنف جنوب غربي المدينة أسفرت عن مقتل أربعة فلسطينيين وإسرائيليين اثنين، وإصابة عدد من الأشخاص، وإلحاق أضرار واسعة بالممتلكات الفلسطينية.
ودعا إسرائيل إلى اتخاذ إجراءات فورية وفعالة لمنع عنف المستوطنين، وحماية التجمعات الفلسطينية، وضمان محاسبة المسؤولين عن هذه الاعتداءات، كما دعا الفلسطينيين إلى رفض العنف بشكل قاطع واتخاذ التدابير اللازمة لمنع الهجمات ضد الإسرائيليين.
وأضاف أن العمليات العسكرية الإسرائيلية، وعمليات الهدم، وتهجير الفلسطينيين، وفرض مزيد من القيود على الحركة، تواصلت بالتوازي مع تسارع النشاط الاستيطاني. وأشار إلى إعلان وزير المالية الإسرائيلي سموتريتش تخصيص 1.3 مليار شيكل لإقامة وحدات سكنية مؤقتة في عشرات المستوطنات الجديدة في الضفة الغربية، إضافة إلى الموافقة على إنشاء مستوطنة جديدة في شمال الضفة الغربية، مجدداً التأكيد على أن جميع المستوطنات غير قانونية بموجب القانون الدولي.
كما أعرب عن قلقه إزاء دخول قوات ومسؤولين إسرائيليين إلى مركز تدريب قلنديا التابع للأونروا في القدس الشرقية أثناء سير العملية التعليمية، مؤكداً أن مقار الأمم المتحدة تتمتع بالحصانة ولا يجوز انتهاكها أو التدخل في عملها.
وفي الشأن الفلسطيني الداخلي، حذر الأكبروف من استمرار الأزمة المالية التي تواجهها السلطة الفلسطينية نتيجة احتجاز إسرائيل لأموال المقاصة، مشيراً إلى أن ذلك يحد من قدرة السلطة على تقديم الخدمات الأساسية، بما فيها التعليم والصحة، ودفع رواتب الموظفين. كما رحب بإعلان الرئيس الفلسطيني محمود عباس إجراء الانتخابات التشريعية في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة، معتبراً أن إجراء انتخابات شاملة وذات مصداقية يمثل خطوة مهمة لتعزيز الحوكمة والاستجابة لتطلعات الشعب الفلسطيني، مؤكداً استعداد الأمم المتحدة لدعم هذه العملية بالتنسيق مع لجنة الانتخابات المركزية.
واختتم المسؤول الأممي بالتأكيد على أن إعادة إعمار غزة لن تكون مستدامة من دون عملية سياسية حقيقية، وأن أي مسار سياسي لن ينجح في ظل استمرار الدمار في غزة، وتصاعد العنف في الضفة الغربية، والانقسام الفلسطيني، داعياً مجلس الأمن إلى ضمان تنفيذ قراراته على أرض الواقع، ومؤكداً استمرار الأمم المتحدة في العمل مع جميع الأطراف دعماً لمستقبل أفضل للفلسطينيين والإسرائيليين.
السفير الفلسطيني: شعبنا يستحق الحماية الدولية
من جهته، أكد السفير الفلسطيني لدى الأمم المتحدة، رياض منصور، في كلمة ألقاها أمام مجلس الأمن الدولي، أن إسرائيل تسعى بشكل ممنهج لتصعيد الأوضاع في الضفة الغربية المحتلة؛ بهدف تبرير المزيد من القمع وتسهيل مخططات الضم والتهجير، أو لخدمة أجندات انتخابية داخلية.
وأوضح منصور أنه “في مواجهة احتمالات خسارة الانتخابات القادمة، يسعى نتنياهو لتحقيق مكاسب انتخابية على حساب دماء الفلسطينيين وحتى الإسرائيليين”، مشدداً على أن هذا التصرف “يتطلب رداً دولياً حازماً وقوياً”.
ولفت منصور إلى أنه طالما حذر منذ سنوات من تصاعد عنف المستوطنين المدعوم من قوات الاحتلال الإسرائيلي، مؤكداً أن هذا العنف يمثل “جزءاً لا يتجزأ من استراتيجية الاستيلاء على أكبر مساحة من الأراضي الفلسطينية بأقل عدد ممكن من السكان”.
واختتم منصور كلمته بالمطالبة بتوفير حماية دولية عاجلة للشعب الفلسطيني، مشيراً إلى أن المجتمع الدولي يقع على عاتقه هذه المسؤولية بعدما تخلت القوة المحتلة عن التزاماتها القانونية. كما شدد على ضرورة نزع سلاح المستوطنين إنفاذاً لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، قائلاً: “شعبنا يستحق الحماية.. ولا نريد أن نرى أحداً يُقتل”.
مندوبة واشنطن: ندعم “مجلس السلام”
من جانبها، أكدت تامي بروس، نائبة المندوب الأمريكي لدى الأمم المتحدة، أن واشنطن ستواصل دعم “مجلس السلام” و”اللجنة الوطنية لإدارة غزة” في جهودهما الرامية إلى بناء “غزة جديدة تكفل الرخاء والأمن والكرامة” لكافة سكان المنطقة. وأوضحت بروس أن ممثلي المجلس واللجنة ناقشوا، خلال اجتماعهم الأخيرة في قبرص، أطر وهياكل الحكم الجديدة المقترحة لقطاع غزة، مشددة على أن هذا المسار يكتسب أهمية عاجلة للغاية، وسيكون قابلاً للتحقق فور إلقاء حركة حماس سلاحها والتزامها بخطة السلام.
وأثنت المندوبة الأمريكية على المملكة المغربية، مشيدة بتوقيعها اتفاق الانضمام إلى “قوة الاستقرار الدولية” كأول دولة تُسهم بنشر عناصر وضباط ميدانيين ضمن هذه القوة. كما تطرقت إلى مبادرة “فريق غزة” المخصصة لمشاريع التعافي المبكر بتمويل يبلغ مليار دولار، محذرة من أن الجهود غير المنسقة لن تؤدي إلا إلى إضعاف مصداقية اللجنة الوطنية وتعزيز حركة حماس.
مندوب إسرائيل يهاجم قطر وتركيا وعمدة نيويورك
هاجم المندوب الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة، داني دانون، كلاً من قطر وتركيا، متهما البلدين باستضافة قيادات سياسية وعسكرية لحركة “حماس” وتسهيل المعاملات المالية للحركة عبر بنوكهما. وقال دانون: “سيتناول الكلمة مندوبا قطر وتركيا لمهاجمة إسرائيل، بينما تستقبل دولتاهما قيادات حماس وتوفر بنوكهما غطاءً لمعاملاتها المالية”.
ولم يسلم عمدة نيويورك، زهران ممداني، من هجوم المندوب الإسرائيلي الذي اتهمه بـ”تأجيج معاداة السامية” عبر وصفه لرئيس الوزراء الإسرائيلي بـ “مجرم حرب” واتهام إسرائيل بارتكاب “إبادة جماعية”. وزعم دانون أن هذه التصريحات أدّت بشكل مباشر إلى طعن مواطن يهودي في نيويورك في اليوم التالي، مضيفاً أن “معاداة السامية قد تكون بالسلاح تماماً كما هي بالتحريض”.
وفي كلمته أمام المجلس، اعتبر المندوب الإسرائيلي أن “حماس ترفض نزع سلاحها لعدم وجود ضغوط دولية حقيقية عليها”، مُقرّعاً مجلس الأمن لرفضه تصنيف الحركة “منظمة إرهابية”. وأشار إلى بيان أممي حديث تحدث عن اقتحام مركز لتوزيع الغذاء في جباليا والاعتداء على سائقي شاحنات تابعة لبرنامج الأغذية العالمي دون تسمية “حماس” صراحةً، واصفاً ذلك بـ”الفشل الناجم عن ترديد دعاية حماس بأن إسرائيل تجوّع المدنيين وتعيق المساعدات وترفض الالتزام بالقرار 2803 وتفاهمات خطة السلام”.
وعلى الصعيد الإنساني، ادّعى دانون أن الوضع في غزة “مستقر”، مشيراً إلى دخول أكثر من 600 شاحنة يومياً وما يزيد على 1.8 مليون طن من الغذاء و18 ألف طن من المستلزمات الطبية منذ بدء وقف إطلاق النار، إلى جانب ارتفاع الطاقة الاستيعابية للمستشفيات بنسبة 50%. كما شكّك في تقارير “التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي” (IPC)، مشدداً على أن مؤشرات الميدان تُظهر تحسناً في الإمدادات وانخفاضاً في الأسعار.
وفي ختام كلمته، كشف المندوب الإسرائيلي عن موافقة حكومته على البدء في نشر “قوة الاستقرار الدولية” في القطاع كتمهيد لإطلاق مشروع تجريبي لإعادة إعمار رفح، معللاً القيود المفروضة على بعض المواد بـ”دواعي الاستخدام المزدوج والأمني”، ومجدداً مطالبته للمجلس بتصنيف “حماس” و”الحوثيين” و”حزب الله” و”الحرس الثوري الإيراني” كمنظمات إرهابية وفرض عقوبات صارمة عليها.



