د. طارق عاشور
نشأ مفهوم الصيرفة في جوهره وسيطا بين من يملك المال ولا يحتاجه اليوم، ومن يحتاجه اليوم ولا يملكه. ثم نضجت المهنة فصارت شيئا اعمق من الوساطة: صناعة تسعير المخاطر. المصرف الحديث لا يبيع المال، بل يبيع حكما مدروسا على المستقبل، يقيس احتمال التعثر ويضع له ثمنا، ويربح لانه يجيد التمييز بين مخاطرة تستحق التمويل واخرى لا تستحقه. من هنا جاءت الفائدة، ومن هنا جاءت شرعية الربح المصرفي اصلا: انه اجر على تحمل المخاطرة وادارتها، لا على مجرد حراسة الخزائن.
على هذا المعيار تحديدا يستحق القطاع المصرفي الفلسطيني وقفة مراجعة هادئة. فالقطاع، في سعيه المشروع الى ما يسمى متانة القطاع المالي، لم يكتف بادارة المخاطر بل مضى الى الغائها كليا، وحين تلغى المخاطرة تماما لا يبقى من المصرف الا وظيفة الصراف: قبض واقباض، مع فارق ان الصراف لا يتقاضى فائدة على الحذر. الامثلة امام الجميع. في ازمة المقاصة قيدت مصارف عدة ايداعات التجار النقدية او رفضتها، فعوقب التاجر على سيولة لم يخترع هو مشكلتها. وموظف القطاع العام، الذي تحسم اقساطه من راتبه عند المنبع، يجد نفسه محروما احيانا من دفتر شيكات لمجرد صفته الوظيفية، بينما يمنح قرضا شبه مضمون التحصيل بسعر فائدة يفترض وجود مخاطرة جرى الغاؤها سلفا. هذه ليست حصافة، بل تقاضي ثمن سلعة لم تعد تباع.
ويمتد النهج نفسه الى تنفيذ قرارات الحجز التحفظي، حيث تميل بعض المصارف الى اوسع تفسير واقساه، فتجمد ما يزيد عن المطلوب وتترك للعميل عبء اثبات حقه واستعادته، لان كلفة الخطا المحتمل على المصرف تحسب بدقة، اما كلفة التعسف المحتمل على العميل فلا تدخل في اي معادلة. وجاء اخيرا القرار بقانون بشأن خفض استخدام النقد ليصمم كأن البيئة الفلسطينية بيئة سويسرية مكتملة البنية والثقة، لا اقتصادا يقوم على ثقافة نقدية راسخة لها اسبابها الموضوعية، من الاحتلال الى هشاشة الثقة بالمؤسسات. لم يمنح المجتمع وقتا كافيا للاقناع والتحول التدريجي، وكأن المطلوب من الناس ان يتبعوا الخبراء لان الخبراء خبراء، لا ان يكون الخبراء في خدمة الناس. والمفارقة ان الفائض النقدي من الشيكل، الذي قيل ان القانون سيعالجه، ما زال جاثما بمليارات تفوق حاجة السوق.
للانصاف، لهذا السلوك سياق يفسره وان لم يبرره. فالجهاز المصرفي يعمل في غياب مجلس تشريعي يوازن كفة الرقابة، وتحت ضغوط امتثال دولية حقيقية، وفي ذاكرته تجربة قضائية مريرة خاضها البنك العربي امام المحاكم الاميركية سنوات طويلة قبل ان تنقشع فصولها. لكن الخوف المفهوم تحول الى عقيدة عمل: التحوط الكامل، والاخذ باسوأ السيناريوهات لا بارجحها، على قاعدة ان العميل هو الحلقة الاضعف التي لا يدافع عنها احد. والنتيجة بعد كل هذا التشدد تستحق التامل: لا المقاصة عادت، ولا تكدس الشيكل انحسر، ولا ارباح المصارف تراجعت. تحمل المواطن كلفة الحذر كاملة، ولم يقبض احد ثمنه.
ثم ان مبدا السوق نفسه يطبق بانتقائية لافتة. فالصرافون، الذين شكلوا طوق نجاة فعليا لتجار يحتاجون تمويلا سريعا او عملة صعبة او فك اختناق، جرت شيطنتهم حين نافسوا فمنحوا المستهلك سعر صرف افضل، والزموا بهوامش تحمي ربحية المصارف من الصرف، مع ان القانون الفلسطيني يقيم الاقتصاد على مبدا السوق والمنافسة. فاذا بالمنافسة فضيلة تطالب بها المؤسسات الصغيرة والافراد، وعبئا تعفى منه المؤسسات الكبرى.
اما الرواية التي تتكرر في الندوات الرسمية وشبه الرسمية، عن مصارف حملت العبء الاكبر في الازمة المالية وكانت بقروضها طوق النجاة، فتستحق ان توزن بميزان الارقام لا الخطابة. القروض للحكومة لم تكن تبرعا ولا مجازفة، بل اقراضا لمقترض منخفض المخاطر نسبيا، بفائدة وعلاوة مخاطر، وتحت حماية سقف ائتماني وضعه المنظم اصلا لصون المصارف. وقد انهيت مؤخرا دراسة محكمة في طريقها الى النشر في احدى المجلات الاقتصادية المرموقة، تعيد قراءة المتاخرات المالية للسلطة على مدى عقد كامل، وتظهر ان الممول الحقيقي للازمة لم يكن الجهاز المصرفي بل الحلقة الاضعف: الرواتب والتقاعد يحملان نحو سبعين بالمئة من رصيد المتاخرات القائم، وان الغالبية الساحقة من الالتزامات الجديدة بعد تشرين الاول 2023 اتخذت شكل متاخرات لا قروض. اي ان الموظف العام والمتقاعد اقرضا الحكومة قسرا، بلا فائدة ولا عقد ولا حتى قيد في احصاءات الدين، بينما اقرضها المصرف طوعا بفائدة وضمانات. بل تظهر الدراسة ان كل شيكل مقاصة يحتجز يرتبط في الاجل الطويل بنحو 1.38 شيكل من المتاخرات، لان عدم الدفع نفسه ياكل القاعدة الضريبية ويولد متاخرات جديدة، اي ان كلفة الازمة تتضاعف كلما نزلت في سلم الضعفاء. فمن حمل العبء فعلا؟ هؤلاء هم الجنود المجهولون للاستقرار المالي، ومع ذلك حين يتاخر راتب احدهم وتعاد جدولة قرضه، تقدم الجدولة اليه كمنة، وتحمل كلفتها عليه وحده، ولا خيار له الا القبول بحجة التعليمات.
اقول هذا وانا ادرك حساسية الكلام عن قطاع يشكل عمودا فقريا للحياة الاقتصادية، ولا اريد له ان يقرا دعوة للمس بمتانته او بالامتثال للمعايير، فهو نقيض ذلك تماما. المتانة الحقيقية لا تبنى على اقصاء المتعاملين، لان كل عميل يطرد من الباب المصرفي يدخل من نافذة الاقتصاد الموازي، وكل معاملة تتحول الى كابوس اجرائي تغذي اقتصادا رماديا يصعب ضبطه لاحقا على الجميع، بما فيهم المصارف نفسها. والتغول هنا مصطلح اقتصادي علمي لا ذم او قدح: وصف لنزعة راس المال المالي الى التمدد بلا حد اذا لم يلجم، ووظيفة المنظم ان يلجمه بالضوابط، لا ان يقدم له المواطن وقودا لاشباعه. المطلوب ليس مصرفا متهورا ولا مصرفا خائفا، بل مصرفا يمارس مهنته الاصلية: تسعير المخاطرة بعدل، بدل تصديرها كاملة الى من لا حول له. فالقطاع الذي الغى المخاطرة عن نفسه لم يلغها من الاقتصاد، بل نقلها الى اضعف حلقاته، وذلك اردأ انواع ادارة المخاطر جميعا.



