كتب رئيس التحرير
لا يمكن الحديث عن الأمن الغذائي في فلسطين بمعزل عن الأرض والمياه والسيادة الوطنية التي طالما حلمنا بها ولم يتحقق شيء من ذلك الحلم الذي اصبح كابوسا يهدد اسس وجودنا وصمودنا كفلسطينيين، خاصة مع اشتداد الحصار والخناق الاقتصادي علينا.
فالقضية لم تعد مرتبطة فقط بقدرة المواطنين على شراء الغذاء أو توفره في الأسواق، بل أصبحت مرتبطة بشكل مباشر بقدرة الفلسطينيين على إنتاج غذائهم والتحكم بمواردهم الطبيعية. وفي الوقت الذي تتزايد فيه المخاطر المرتبطة بالأوضاع الاقتصادية والسياسية، تستمر مصادرة الأراضي الزراعية والتوسع الاستيطاني والسيطرة على مصادر المياه الجوفية، بينما لا تزال السياسات الزراعية الفلسطينية عاجزة عن تقديم رؤية استراتيجية قادرة على حماية القطاع الزراعي وتعزيز الاكتفاء الذاتي.
تشكل الأراضي الزراعية الركيزة الأساسية للأمن الغذائي الفلسطيني، إلا أنها تتعرض لتآكل مستمر بفعل المصادرات والتوسع الاستيطاني والقيود المفروضة على استخدام الأراضي في مناطق واسعة من الضفة الغربية. هذه السياسات لا تؤدي فقط إلى خسارة مساحات زراعية منتجة، بل تؤدي أيضاً إلى إضعاف قدرة المزارعين على الاستثمار والتوسع وخلق فرص عمل جديدة، الأمر الذي ينعكس على مجمل الاقتصاد الفلسطيني.
وتزداد خطورة الوضع مع استمرار السيطرة على الموارد المائية الجوفية التي تمثل شريان الحياة للقطاع الزراعي. فالمزارع الفلسطيني يجد نفسه أمام كميات محدودة من المياه وبتكاليف مرتفعة، بينما تحتاج الزراعة الحديثة إلى مصادر مياه مستقرة ومستمرة. والنتيجة الطبيعية لذلك هي انخفاض الإنتاجية الزراعية وتراجع المساحات المزروعة وارتفاع تكاليف الإنتاج، وهو ما ينعكس مباشرة على أسعار المنتجات الزراعية التي تصل إلى المستهلك الفلسطيني.
هذه المعادلة لا تمس القطاع الزراعي وحده، بل تضرب أسس الاستقلال الاقتصادي الفلسطيني. فكلما تراجع الإنتاج المحلي ارتفعت الحاجة إلى الاستيراد من الخارج، وكلما ازدادت فاتورة الاستيراد تراجعت قدرة الاقتصاد الفلسطيني على تحقيق أي درجة من الاعتماد على الذات. وبذلك يتحول الأمن الغذائي من قضية زراعية إلى قضية سيادية ترتبط بالاستقلال الاقتصادي والقرار السياسي معاً.
ويعد الفقراء وأصحاب الدخل المحدود أول المتضررين من هذا الواقع. فارتفاع أسعار الخضروات والفواكه والزيوت والمنتجات الغذائية الأساسية يؤدي إلى استنزاف جزء أكبر من دخل الأسر الفلسطينية، خاصة في ظل استمرار معدلات البطالة المرتفعة وتراجع القوة الشرائية. ومع كل تراجع في الإنتاج المحلي تتسع الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة، ما يدفع مزيداً من الأسر نحو الهشاشة الغذائية والاعتماد على المساعدات.
ويبرز قطاع الزيتون باعتباره النموذج الأوضح لهذه الأزمة. فالزيتون ليس مجرد محصول زراعي، بل يمثل أحد أعمدة الاقتصاد الريفي الفلسطيني ومصدراً أساسياً لدخل عشرات آلاف العائلات. وتشير التقديرات إلى أن فلسطين تنتج في المواسم الطبيعية ما يقارب خمسة وعشرين ألف طن من زيت الزيتون سنوياً، بينما يستهلك السوق المحلي أكثر من اثني عشر ألف طن سنوياً، ويتم توجيه الفائض للتخزين أو التصدير بحسب ظروف الموسم. إلا أن استمرار منع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم وتعرض الأشجار للاقتلاع والتخريب يهدد موسم الزيتون المقبل في شهر تشرين الأول، ويضع آلاف الأسر أمام مخاطر خسارة مصدر دخلها الأساسي. وتشير تقارير حديثة إلى أن آلاف الدونمات من الأراضي المزروعة بالزيتون أصبحت خارج متناول أصحابها بسبب القيود المفروضة على الوصول إليها.
ولا يقتصر الأمر على موسم الزيتون، بل يمتد إلى قطاع التمور الذي يعتبر من أكثر القطاعات الزراعية نمواً في فلسطين. فوفق تقديرات وزارة الزراعة الفلسطينية لموسم 2025، من المتوقع أن يصل إنتاج التمور الفلسطينية إلى نحو خمسة وعشرين ألف طن، وهو أعلى من إنتاج الموسم السابق الذي بلغ اثنين وعشرين ألف طن. ويتركز هذا الإنتاج بشكل رئيسي في منطقة أريحا والأغوار التي تواجه بدورها تحديات مرتبطة بالأرض والمياه والتوسع الاستيطاني، ما يجعل مستقبل هذا القطاع الحيوي مرتبطاً بمدى قدرة الفلسطينيين على حماية مواردهم الزراعية.
إن استمرار تراجع الزراعة الفلسطينية لا يمثل مجرد خسارة اقتصادية، بل يهدد الاستقرار الاجتماعي ويضعف قدرة المجتمع الفلسطيني على الصمود. فالدول التي لا تنتج غذاءها تبقى أكثر عرضة للأزمات والضغوط الخارجية، بينما يشكل القطاع الزراعي في فلسطين أحد أهم أدوات تعزيز الصمود الوطني والبقاء على الأرض.
لذلك فإن المطلوب اليوم ليس فقط دعم المزارعين أو زيادة الموازنات الزراعية، بل إطلاق رؤية وطنية شاملة للأمن الغذائي تضع الأرض والمياه والإنتاج الزراعي في صلب السياسات الاقتصادية الفلسطينية. فتعزيز الاستثمار الزراعي، وحماية الأراضي المهددة، وتطوير تقنيات الري الحديثة، ودعم الصناعات الغذائية المرتبطة بالإنتاج المحلي، كلها خطوات ضرورية إذا أرادت فلسطين أن تقلل اعتمادها على الخارج وأن تبني اقتصاداً أكثر قدرة على الصمود والاستقلال.
يبقى الأمن الغذائي في فلسطين قضية سيادة وطنية بقدر ما هو قضية تنموية واقتصادية بل وسياسية، فالمعركة على الغذاء تبدأ من الأرض والماء، وتنتهي بقدرتنا على البقاء والإنتاج والعيش بكرامة وباستقلالية، دون اغفال الواقع غير المسبوق في قطاع غزة المحاصر.




