د. أحمد رفيق عوض
مدير مركز المتوسط للدراسات الإقليمية
في عيد هذا العام، سافرت إلى يعبد في رحلة يفترض أن تستغرق ما بين ساعة وساعة ونصف تقريبًا. لكن الزمن في الضفة الغربية المحتلة لا يُقاس بالمسافات وحدها، بل بالحواجز العسكرية والبوابات والسواتر والإغلاقات التي تحوّل الطريق القصير إلى رحلة طويلة ومعقدة ومليئة بالتوتر. وما إن يبدأ المرء السفر حتى يكتشف أن الشارع هنا ليس مجرد وسيلة للانتقال بين مكان وآخر، بل جزء من واقع سياسي وجغرافي يفرض نفسه على تفاصيل الحياة اليومية.
خلال رحلتي رأيت كل أنواع الشوارع: شوارع التفافية واسعة، وشوارع هامشية ضيقة، وطرقًا محطمة، وأخرى مضاءة بعناية، وشوارع مستقيمة تمتد لمسافات طويلة، وأخرى ملتوية تتعرج بين التلال والقرى. غير أن القاسم المشترك بينها جميعًا هو أنها نتاج هندسة خاصة فرضتها ظروف الاحتلال. فهندسة الشوارع في الضفة الغربية ليست مجرد عملية تخطيط عمراني، بل هي، في كثير من الأحيان، أداة لإعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان والمكان.
أداة سيطرة وتحكم مصممة بطريقة بالغة الدقة.
في الأماكن الطبيعية تكون الطرق جزءًا من حياة الناس؛ ترى على جوانبها حقولًا ومزارعين، أكشاكًا للبطيخ والبندورة، قطعانًا من الأغنام، وعائلات تتنزه تحت الأشجار. أما في كثير من شوارع الضفة الغربية فإن هذه المشاهد تتراجع لصالح فضاء جامد ومراقب، صُمم ليكون ممرًا للحركة أكثر منه مساحة للحياة. يصبح الطريق حادًا وغريبًا، وتتحول تجربة السفر إلى حالة من الترقب والحذر بدل أن تكون فرصة للتواصل مع المكان واكتشافه.
هذه الشوارع لا تؤثر فقط في حركة الأفراد، بل في الاقتصاد والتنمية والعلاقة بالأرض أيضًا. فهي تعيد رسم المسافات بين المدن والقرى، وتفرض مسارات محددة للحركة، وتؤثر في فرص الاستثمار والعمل والسياحة. ومع الوقت، يصبح التحكم بالشارع شكلًا من أشكال التحكم بالمجال العام وبالقدرة على التخطيط للمستقبل. فالطريق لا يصل بين الأمكنة فحسب، بل يحدد أيضًا طبيعة العلاقة بينها.
ومن هنا تبدو شبكة الطرق في الضفة الغربية أكثر من مجرد بنية تحتية. إنها وسيلة لإعادة توزيع السكان، وتعميق العزل بين المناطق، وخلق مزيد من الاعتماد على مسارات محددة تخضع للمراقبة والتحكم. ولهذا يشعر كثير من المسافرين بأن الطريق ليس فضاءً محايدًا، بل تجربة تذكرهم باستمرار بالقيود المفروضة على حركتهم وحياتهم اليومية.
إن السفر في الضفة الغربية يبقى تجربة محفوفة بالاحتمالات غير المتوقعة؛ فالحاجز قد يغلق فجأة، والبوابة قد تعطل الرحلة، والطريق قد يتغير مساره في أي لحظة. لذلك لا تبدو الشوارع هنا مجرد خطوط على الخريطة، بل تعبيرًا عن واقع معقد يترك أثره في الإنسان والمكان معًا. ولهذا فإن أي نقاش حول الطرق في الضفة الغربية لا يمكن أن يقتصر على الهندسة والمواصلات فقط، بل يجب أن يتناول أيضًا أثرها الاجتماعي والاقتصادي والإنساني، ودورها في تشكيل العلاقة بين الناس وأرضهم ومستقبلهم.شبكة الطرق في الضفة الغربية المحتلة رؤية سياسية وتخطيط اقتصادي وخطة امنية،والمعضلة هنا أن هذه الشبكة بهذه الأهداف لن تؤدي إلى المأمول منها، ما لم يحله السلاح لن تحله الشوارع.




