د. طارق عاشور
قد يظن متابع عابر أن مشاهد الاستقبال الرسمي والابتسامات المتبادلة بين رئيسين عظيمين هي كل ما في الزيارة، لكن خلف الكاميرات كان هناك اجتماع لمجلس إدارة شركتين عملاقتين هما الولايات المتحدة والصين، اللتان تمثلان معا أكثر من ثلث الاقتصاد العالمي.
جاء ترامب ومعه نحو ثلاثين من كبار المدراء التنفيذيين لأكبر الشركات الأميركية، وهي لفتة نادراً ما تصاحب أي وفد رئاسي بهذا الحجم، وما كان ذلك ليكون لو أن الرحلة كانت مجرد بروتوكول دبلوماسي.
جلس حول طاولة المفاوضات في بكين رجال أعمال وحكومات بمصالح متشابكة(ولن نناقش هنا تبعات سياسة ترامب بالتزاوج بين الحكومة والقطاع الخاصواثاره، سلبا ام ايجابا) وقد كان الهدف المعلن للزيارة هو تخفيف حدة التوتر التجاري المتصاعد بين الاقتصادين، إلا أن التحليل الجاد للنتائج الاقتصادية الملموسة والتفاعلات اللاحقة في الأسواق المالية يروي قصة أكثر تعقيدا، ومحصّلتها أن أي زيارة رئاسية لم تحقق في جوهرها اختراقات في الملفات الجوهرية لا يمكن وصفها بأنها حققت معجزة اقتصادية حقيقية.
الجانب الأكثر إبهارا للجمهور كان سلسلة الاتفاقيات التجارية التي جرى الاعلان عن توقيعها، والتي تجاوزت قيمتها المعلنة 253.5 مليار دولار في 34 اتفاق، ليشمل ذلك صفقات كبرى مثل التزام صيني بشراء 300 طائرة من بوينغ بقيمة 37 مليار دولار، واتفاقيات للغاز الطبيعي المسال من ألاسكا بقيمة 43 مليار.
لكن أي خبير إقتصادي يقرأ ما وراء الأرقام القياسية سيرى أن هذه الأرقام الضخمة التي وصفت بأنها معجزة تحمل في طياتها الكثير من الغبار. لقد كانت هذه الصفقات في مجملها غير ملزمة، ومعظمها مجرد خطابات نوايا وليست سوى إعادة تعبئة لاتفاقيات كانت قيد التفاوض أصلا أو أنجزت سابقا. فطائرات بوينغ التي جرى التفاخر بها كانت مجرد تأكيد لشراء طائرات كانت الصين قد التزمت بها أساسا من سنوات. وهذا ليس تشاؤما، بل هو واقع التعامل التجاري بين الدول الكبرى، حيث تستخدم مثل هذه الزيارات غالبا كمنصة لإعادة الإعلان عن إنجازات سابقة بكثير من الحماس.
على صعيد الأسواق، لم تظهر المؤشرات الرئيسية أي رد فعل يذكر أو صدمة تجاه التدفق الهائل للأخبار. سلة العملات العالمية لم تشهد ارتفاعات ملحوظة بفعل الاتفاقيات، بل ظل مؤشر الدولار يتأرجح أساسا بفعل عوامل داخلية في واشنطن، وأهمها حالة عدم اليقين بشأن خطة الإصلاح الضريبي التي كانت تمر بمراحل صعبة في الكونغرس، وكذلك المصادقة على تعيين محافظ جديد بديلا ل جيروم باول.
سعر الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، تذبذب لم يشهد سعره اي هزة سلبا او ايجابا، ولم يندفع المستثمرون نحو التحوط من المخاطر الجيوسياسية بالشكل الذي يوحي بأنهم رأوا في هذه الزيارة تهديدا وشيكا للاستقرار. الأسواق الآسيوية كانت متقلبة بعض الشيء لكنها لم ترتكز على طبيعة المخرجات من بكين، بل كانت أكثر حساسية لتصريحات ترامب عن الممارسات التجارية غير العادلة وتحذيرات البنك المركزي الصيني بشأن الديون المفرطة.
ربما كان التطور الوحيد ذو المضمون الاقتصادي العملي هو التعهد الصيني بفتح قطاعه المالي، والإعلان عن تخفيف القيود أمام دخول البنوك الأجنبية، وهي خطوة بدت كرد عملي على مطالب ترامب بدخول أفضل للسوق الصينية
. ومع ذلك، فإن هذه الخطوات جاءت وفق الجدول الزمني الصيني لا وفق إملاءات أميركية، مما يعني أن بكين كانت تسير في هذا الاتجاه أصلا بغض النظر عن نتائج الزيارة.
وبالعودة إلى جوهر العلاقة الاقتصادية، لم تتغير المعادلة الكلية للميزان التجاري. الفجوة التجارية بين أميركا والصين، التي بلغت 26.6 مليار دولار الشهر الماضي، لم يكتب لها أن تختفي عبر هذه الصفقات الموجهة. فالاختلالات الهيكلية في أسواق العمل وطبيعة السلع المنتجة بين البلدين تتطلب تغييرات جذرية لا يمكن لزيارة واحدة مهما بلغت صخب إعلاناتها أن تحققها. الصحف الاقتصادية لم تكن مخطئة حين وصفت الأرقام بأنها مجرد تلميع لصورة سياسية لا تعديل للواقع الاقتصادي.
التحدي الأكبر بقي كامناً في الملف الإيراني، وفي تأثيره على أسواق الطاقة العالمية. الخطوط الحمراء التي رسمتها بكين كانت واضحة: دعم بقاء ممر هرمز مفتوحا، ومعارضة أي قنبلة نووية إيرانية. لكن الصين، الشريك الاقتصادي الأكبر والأهم لإيران، لم تتخلى عن مصالحها الاقتصادية والنفطية في طهران، ولم تقدم واشنطن التزاما أميركيا بوقف الحرب التجارية مقابل تخفيف الضغط عن إيران. هذا الوضع جعل الأسواق النفطية تراقب عن كثب مصير إمدادات النفط عبر المضيق، حيث ارتفع النفط الخام بأكثر من 2% في الأيام التي سبقت الزيارة بسبب التوترات في المنطقة، واستمرت هذه الضغوط السعرية بعدها. بكين تعلم جيدا أن أي حرب واسعة في الخليج ستشل تجارتها وتهدد وارداتها النفطية التي تمثل نحو 80% من احتياجاتها، لكنها ترفض أن ترتهن لإستراتيجية أميركية في المنطقة، وهذا التناقض كان العائق الأساسي أمام أي اختراق اقتصادي حقيقي.
الخطأ الذي وقع فيه الكثير من المحللين كان في قراءة هذه الزيارة كحدث تاريخي بذاته. الحقيقة الباردة التي تكشفها أرقام السوق والميزان التجاري هي أن مؤتمر بكين لم يكن سوى محطة في رحلة طويلة من الصراع الاقتصادي الكبير بين أكبر قوتين عالميتين. إنه صراع بنيوي لن تحسمه صفقات بوينغ وحدها، وهو ما يفهمه جيدا من حمل معه مدراء شركاته التنفيذيين ليس للاحتفال بصفقات آنية، بل لاستكشاف أرضية ممكنة لتجنب التصادم المباشر في المستقبل.
لقد أعطت الزيارة علاقة معقدة ومريضة بعض الوقت للتنفس، لكن وصفها بـ المعجزة هو خداع للواقع. الأسواق لم تصدق هذا السيناريو، والمستثمرون يعرفون أن الإمبراطوريات الاقتصادية تبنى على أسس متينة من الإصلاحات وفتح الأسواق والتنافس الحر، لا على موجات من البروتوكولات واتفاقيات النوايا. المستقبل الاقتصادي بين بكين وواشنطن سيكتب على طاولات المفاوضات التجارية الصعبة، وليس في حفلات توقيع خطابات النوايا التي تنسى بمجرد مغادرة الوفد لمطار بكين.




