خاص الرقيب – دانية عبد الفتاح
تواجه السلطة الفلسطينية في الأشهر المقبلة تحديات مالية غير مسبوقة مع توقف المنحة الأوروبية، إلى جانب استمرار الاقتطاعات الإسرائيلية من أموال المقاصة.
هذا الواقع يعمق الفجوة المالية لدى الحكومة، ويثير تساؤلات حول قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه الموظفين والمواطنين في ظل تراجع الدعم الخارجي وتزايد الضغوط الاقتصادية. فما هي التدابير التي ستعتمدها الحكومة لتجاوز هذه الأزمة؟ وهل سيكون لها القدرة على الوفاء بالتزاماتها المالية رغم التحديات الكبرى؟
يقول مدير مركز الاتصال الحكومي محمد أبو الرب لـ”الرقيب” إن استمرار حكومة الاحتلال في اقتطاع أكثر من 60% من أموال المقاصة شهريًا، بذريعة مخصصات عائلات الأسرى والشهداء وقطاع غزة، قد ضاعف من الأزمة المالية التي تعانيها السلطة الفلسطينية.
وأشار أبو الرب إلى أن هذه الاقتطاعات، بالإضافة إلى تراجع الإيرادات المحلية بأكثر من النصف قد فاقمت الضغوط المالية على الحكومة.
وأضاف “رغم هذه التحديات، رفعت الحكومة الحد الأدنى للرواتب إلى 3500 شيكل، مما أتاح لـ 70% من الموظفين الحكوميين تلقي رواتبهم كاملة. هذا القرار يهدف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، خاصة للفئات محدودة الدخل.”
وحول كيفية مواجهة الأزمة في الأشهر المقبلة، أوضح أبو الرب أن الحكومة تبذل جهودًا مكثفة لرفد الخزينة بالموارد المالية من خلال الاستفادة من التسهيلات البنكية التي وصلت حتى تاريخه الى حوالي 2.7 مليار دولار، وتحصيل الديون من الشركات المزودة للخدمات وتجميع الدعم من الدول العربية والصديقة.
كما أشار إلى أن الحكومة تعمل على ترشيد النفقات في إطار خطة إصلاحية، لتحويل المبالغ المتوفرة نحو الالتزامات الأساسية، مثل رواتب الموظفين وسداد ديون المستشفيات والموردين, ولم يتم الاشارة لقيمة تلك النفقات وأثرها المالي والاقتصادي.
وفيما يتعلق بالدعم الأوروبي، قال أبو الرب إن المساعدات الأوروبية المؤقتة ساعدت في تسديد بعض الالتزامات خلال الأشهر الماضية، إلا أن الموافقة على الحزمة الجديدة من الدعم المالي تتطلب إجماع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، ومن المتوقع أن يتم التصويت عليها في بداية العام المقبل.
وكان الاتحاد الأوروبي قدم مساعدة مالية طارئة للسلطة الفلسطينية بقيمة 400 مليون يورو (435.5 مليون دولار) صرفت على ثلاث دفعات، استنفدت خلال الشهر الماضي.
وتعاني مالية السلطة الفلسطينية من أزمة خانقة بعد أن خفضت دول مانحة التمويل، الذي كان يغطي ذات يوم ما يقرب من ثلث الموازنة العامة للسلطة البالغة ستة مليارات دولار، وطالبت بإصلاحات تعالج الفساد والهدر.
وكانت المفوضية الأوروبية أعلنت أنها ستقدم حزمة من المساعدات للسلطة الفلسطينية خلال الفترة المقبلة (منح وقروض) تصل إلى 2.7 مليار دولار ستمتد على مدار العامين المقبلين مقابل تطبيق اصلاحات، دون الإشارة إلى أن هذا المبلغ سيشمل الـ400 مليون يورو التي منحت خلال الأشهر الماضية أم لا. ولكن من أجل إقرار هذا الموضوع لا بد من أخذ موافقة البرلمان الأوروبي في الثلث الأول من العام المقبل، دون اتضاح وجود حسم حول هذه المسألة، وفي حالة الموافقة على القرار فإنه تنفيذه سيستغرق عدة أشهر، ما يعني أن السلطة الفلسطينية لا يمكنها من الناحية العملية الاعتماد على المنحة الأوروبية الموعودة لتسديد التزاماتها خلال الأشهر المقبلة.
بدوره، أوضح الصحفي المختص في الشأن الاقتصادي جعفر صدقة أن القانون الإسرائيلي الجديد الذي يتيح مصادرة أموال الضرائب الفلسطينية المجمدة سيعمق الأزمة المالية، ما يزيد من صعوبة الوفاء بالتزامات الحكومة تجاه موظفيها ومواطنيها. وأشار صدقة إلى أن الوضع المالي الحالي يعكس أزمة سياسية متجذرة، حيث تسعى الحكومة الإسرائيلية إلى إبقاء السلطة ضعيفة ودفعها نحو الانهيار وسط غياب أي مؤشرات لتطور سياسي قد يخفف من وطأة الأزمة. ورغم بعض التحركات لتحصيل مساعدات أمريكية غير مباشرة ومشاريع جديدة، إلا أن هذه الخطوات تظل محدودة التأثير.
كما بيّن أن تمديد التعامل مع البنوك الفلسطينية لعام إضافي قد أتاح هامشًا محدودًا من الاستقرار المالي، لكنه غير كافٍ في ظل استمرار الضغوط السياسية والاقتصادية.
وأكد صدقة أن أي حلول للأزمة الراهنة يجب أن تكون شاملة، تجمع بين أبعاد سياسية، واقتصادية، وأمنية، بعيدًا عن الاتفاقات الجزئية التي أثبتت محدودية نتائجها.
من جهته، أشار الصحفي الاقتصادي محمد رجوب إلى أن الحكومة الفلسطينية قد تواجه تحديات مالية أكبر خلال الستة أشهر المقبلة، خصوصًا مع انقطاع المنحة الأوروبية التي لن تُستأنف إلا في بداية العام المقبل.
وفي ظل هذه الضغوط توقع رجوب أن يتم إعادة جدولة القرض المجمع الذي حصلت عليه الحكومة من البنوك في نهاية عام 2023، لتتمكن من تجنيد أموال إضافية تساعدها على الاستمرار في دفع 70% من رواتب الموظفين.
وأوضح أن هذا الخيار سيخدم جميع الأطراف، بما في ذلك البنوك التي ستتمكن من مواصلة خصم أقساط القروض من رواتب الموظفين المقترضين ما يوفر استمرارية مالية للبنوك ويسهم في تخفيف الأعباء على الحكومة. ورغم هذه الاستراتيجيات فإن الوضع المالي يبقى هشًا ويعتمد بشكل كبير على التطورات السياسية والدعم الخارجي المتوقع في الفترة المقبلة.
لكن أبو الرب أشار إلى أن القروض التجميعية التي لجأت إليها الحكومات السابقة لتغطية التزاماتها ما زالت تشكل ضغطًا كبيرًا على الموازنة العامة الحالية، ما يحدّ من قدرة الحكومة على تحقيق استدامة مالية. هذا الواقع المالي الصعب يضع السلطة أمام خيارات محدودة تتطلب تعزيز الجهود لرفد الخزينة بالموارد وترشيد النفقات بهدف التخفيف من حدة الأزمة وضمان استمرار توفير الخدمات الأساسية والوفاء بالتزاماتها تجاه الموظفين والموردين.
وأظهرت بيانات وزارة المالية تراجعاً حاداً في صافي الإيرادات العامة بنسبة 35% (على أساس نقدي)، للربع الثالث على التوالي من العام الجاري 2024.
ووفقاً للبيانات فقد بلغ صافي الإيرادات العامة لعام 2024 حوالي 8.4 مليار شيقل، في الفترة الواقعة 1-9/2024 في حين وصل إلى 13 مليار شيقل لعام 2023 في ذات الفترة.
وأشارت إلى أن الفجوة المالية آخذة في الاتساع بين حجم الإيرادات العامة والمبالغ اللازمة لتمويل النفقات العامة مما يزيد من حجم العجز المالي للحكومة الفلسطينية.
وارتفعت الفوائد على خدمة الدين العام، حيث بلغت حوالي 318 مليون شيقل لعام 2024، مقارنةً بـ 164 مليون شيقل للعام الماضي.
وبلغ إجمالي الدين العام قرابة 12 مليار دولار وتوزعت منها مديونية الحكومة الفلسطينية للموظفين العمومين جراء الرواتب المنقوصة إذ بلغت قرابة 1.345 مليار دولار حتى نهاية 2024/9.
كما وصلت مديونية الحكومة الفلسطينية لصالح البنوك المحلية قرابة 2.791 مليار دولار للعام الجاري. وتراكمت مديونية الحكومة للقطاع القطاع الخاص الفلسطيني ووصلت إلى حوالي 1.490 مليار دولار، وشكل القطاع الصحي الفلسطيني ما نسبته 60% من المديونية لصالح القطاع الخاص.
ووصل الدين الخارجي إلى حوالي 1.333 مليار دولار.
وتظهر الأرقام الصادرة عن وزارة المالية إن إجمالي أموال المقاصة التي يحتجزها الاحتلال من عائدات الضرائب الفلسطينية ويرفض إعادتها قد بلغت نحو سبعة مليارات شيقل، منذ عام 2019 وحتى 2024/10.
- 12 مليار دولار حجم المديونية على الحكومة الفلسطينية
- 1.4 مليار دولار لصالح الموظفين
- 2.8 مليار دولار لصالح البنوك المحلية
- 1.5 مليار دولار لصالح القطاع الخاص
- 1.4 مليار دولار دين خارجي
- 4.9 مليار دولار لهيئة التقاعد والمعاشات وديون أخرى
- *مليار شيقل قيمة الفاتورة الشهرية للرواتب
- *35% نسبة التراجع في الإيرادات العامة في الربع الثالث من العام الجاري
- *7 مليار شيقل قيمة الأموال المحتجزة من المقاصة





