فؤاد الصباغ، كاتب و باحث جامعي
شهدت الولايات المتحدة الأمريكية خلال بداية شهر نوفمبر الماضي إحتداما شرسا و متصاعدا في المنافسة من أجل الفوز بالإنتخابات الأمريكية القادمة بين “الحزبين الديمقراطي و الجمهوري”، وذلك في إطار تنافس ديمقراطي نزيه قصد الإستحواذ على أعلى نسبة من المقاعد بالكونغرس الأمريكي و على سلطة القرار الإداري للبيت الأبيض و رسم ملامح سياسة خارجية جديدة للولايات المتحدة الأمريكية. فوفقا للنتائج النهائية التي صدرت يوم 06 نوفمبر 2024 أكدت فوز ترمب الساحق في أغلب الولايات الأمريكية وحسمها من الدور الأول وهذا يفتح الباب مجددا لوضع نظرية استشرافية جديدة لفترة حكمه القادمة.
قبالرغم من تراكم ملفات الفساد الشخصية للرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترمب و أيضا لسوء إدارته للسياسية الخارجية خلال عهدته السابقة في مختلف القضايا السياسية الحساسة و الهامة، ولعل أبرزها ملف الشرق الأوسط و إسرائيل و علاقاته مع حلفائه التقليديين، إلا أنّ عودته مجددا الى حكم سلطة القرار بالإدارة الأمريكية مجددا يبشر بتحولات جذرية ممكن أن ترسم الخارطة الجوسياسية للعالم الراهن. فمن المعروف أن ترمب هو بالأساس “رجل مال و أعمال” و تعامله مع السياسة الخارجية ينعكس تماما مثل تعامله مع المشاريع التجارية و الصفقات الرابحة، إذ لايهمه في هذا السياق التداعيات السلبية عن قرارته المتهورة نوعا ما، بقدر ما ينتظره من صفقات اقتصادية و عوائد مالية من تلك القرارات المتخذة. فعلى سبيل المثال ما صدر عن تصريحات له حول إبتزازه لأموال دول الخليج العربي و ترويجه للتهديدات بالخطر الإيراني على المنطقة كلها وذلك من أجل دفع الدول الخليجية للمساهمة أكثر فأكثر في شراء الأسلحة الأمريكية و دفع ضريبة الحماية، أو من جانب آخر تهديداته بفرض عقوبات على حلف شمال الأطلسي و وصفهم بالتخاذل في المساهمة في نسب الدفع من الدخل القومي الخام لكل دولة في الميزانية الدفاعية المشتركة و التكاليف الباهظة لتمويل الحروب. فمن وجهة نظر الرئيس الأمريكي ترمب أنه لا توجد منفعة من الشراكة مع الإتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي الذي يبدو عقيم في تنفيذ مخططاته والتصاقه مباشرة بما تقرره الإدارة الأمكريكة في مختلف القضايا. أما بخصوص الحرب التجارية بين الولايات المتحدة الأمريكية و عملاق التجارة العالمي الصين الشعبية تبقي هي الأساس في صلب الصراع الدولي الراهن على النفوذ للحد من تصاعد هذا العملاق القوى تكنولوجيا، إقتصاديا و تجاريا و إفشال مخططاته لسنة 2050 وذلك من خلال فرض عقوبات على بعض الشركات التكنولوجية و خلق مشاكل في الجرائم السيبرانية معها وفرض رسوم متزايدة على وارداتها العالمية.
فبالعودة لقراءة أهم القرارات و الأحداث السابقة في عهدته السابقة و تحليل شخصيته النفسية و التى تكون أحيانا متهورة على حساب علاقات الولايات المتحدة الأمريكية مع شركائها و حلفائها التقليديين، سأتناول في هذا التحليل بعض السلوكيات الشخصية للرئيس ترمب و علاقاته الدولية التى ممكن أن تحدد ملامح السياسة الخارجية الأمريكية القادمة للولايات المتحدة الأمريكية خلال عهدته القادمة.
شخصية الرئيس دونالد ترمب و مرض جنون العظمة
ركزت وسائل الاعلام و الصحف الامريكية خلال العهدة السابقة لرئاسة الرئيس الأمريكي الأسبق دونالد ترمب اهتمامها المباشر حول وضعية صحته العقلية و سلوكياته المتهورة في إتخاذ القرار وأحيانا تعارض موقف إدارة البيض الأبيض و الكونغرس وتكون قرارات فردية حول مختلف المائل السياسية الهامة. فقيادته للولايات المتحدة كقطب دولي هام يجعله متجاوزا نظرية العالم المتعدد الأقطاب والقوى العالمية الصاعدة الجديدة والتى ممكن أن تحل مكان الوزلايات المتحدة الأمريكية خلال السنوات القادمة، خاصة و أنه يصنف كأقوي رئيس لأقوي دولة في العالم و يروج لنظرية “أمريكا أولا”. بالتالي تعتبر الأمراض النفسية التي يعاني منها الرئيس ترمب منها مرض “جنون العظمة و القوة التي لا تقهر” التي يعاني محل جدل واسع في الأوساط السياسية و الإقتصادية العالمية و التي تنعكس مباشرة على سلطة القرار الأمريكي ولها تأثيرات عميقة على السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية.
فوفقا “لتقرير طبي صدر من جامعة هارفارد” و لتشخيص أكبر “خبراء الأمراض النفسية” يعاني الرئيس الأمريكي ترمب من هذا “المرض الخطير المعروف بجنون العظمة”، إذ ممكن أن يتسبب هذا المرض في تأثيرات مباشرة على إتخاذ قرارات خطيرة جدا في الشأن الدولي و العلاقات السياسية و التجارية مع جميع الدول بدون إستثناء و أيضا إنعكاسات مباشرة على مصالح الشعب الأمريكي داخليا و خارجيا.
فهذا الاضطراب السلوكي النفسي لرجل “المال و الأعمال” يمكن أن يحدث كارثة حقيقية في “الدبلوماسية العلاقات الدولية” و نذكر في هذا السياق، أنه خلال عهدته السابقة وقع رفع مفاجئ للرسوم الجمركية بحيث شهدت العلاقات التجارية مع الإتحاد الأوروبي و كندا و المكسيك توترا ملحوظا من خلال الزيادة في الضرائب على وارداتها من الفولاذ و الألومنيوم. كذلك لا ننسي تهديداته لدول الخليج العربي و بالأساس المملكة العربية السعودية و التي إعتبرها مصدر ربح مالي للولايات المتحدة الأمريكية بحيث طلب منها دفع ضريبة من أجل حمايتها عسكريا تقدر ب 3/4 من ميزانيتها و هذا الإبتزاز يندرج في إطار الدفاع عن دولة ذات سيادة من الخطر الايراني.
أما بخصوص إتخاذه لقرارات عسكرية ردعية أو مفاوضات دبلوماسية فهو يعتبر منافق و يتلاعب بالوقائع و الأحداث بطرق متهورة كادت أن تؤدي أحيانا لإندلاع حرب بجنوب شرق القارة الآسيوية. فهذا السلوك السياسي الغريب و الخطابات الحادة والضغوطات السياسية والتجارية للتقليل من شأن الطرف المقابل تذكرنا بتصرفات النازي “هتلر” أو الفاشي “موسوليني”. أما بخصوص وسائل الإعلام و الصحف الأمريكية فكانت دائما تتحدث في عهدته السابقة عن “القرار الترامبي المفاجئ” بحيث لا تستغرب ما الذي يمكن أن يحدث في أي لحظة من اللحظات.
عموما، وفقا لتحليل شخصية ترمب النفسية تثبت أنه يعاني من بعض الأمراض الخطيرة منها التفوق بالقوة و اتخاذ قرار حتى ضد خلفائه و التي ممكن أن تؤدي لإنعكاسات وخيمة على العلاقات الدولية وحتي تغير تركيبة التحالفات و التكتلات الدولية.
فللتذكير بصدور قرار عزله خلال عهدته السابقة و التي كثر الحديث عنها، خاصة منها ما صدر عن تقرير المدعي العام “مولر” و الذي كان يعتبره هو قرار فارغ بإعتباره منتخب ديمقراطيا من الشعب الأمريكي، و أيضا تراكم التهم القضائية التي مازالت تطارده حتى بعد فوزه بالعهدة الثانية والتي ستكون أوراق حاسمة بيد المعارضة الأمريكية للتخلص منه في أي لحظة من اللحظات وخاصة أن عالمنا اليوم يعاني من اضطرابات سياسية و نزاعات عسكرية متصاعدة. فخلال الفترة القادمة يحتاج الإقتصاد الأمريكي إلى شخص قوى يتمتع بصفات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بحيث أن خلال فترة حكمه السابقة حققت سياساته القوية نجاحات مالية و تجارية و خفضت من نسب البطالة، وحققت نمو اقتصادي ملحوظ و تنمية اقتصادية متنوعة.
دونالد ترمب و حربه التجارية مع حلفائه التقليديين
إن ما تشهده التجارة العالمية على مدى العقود الفارطة من حرب تجارية بين الولايات المتحدة الأمريكية و الصين و الإتحاد الأوروبي من جهة و كندا و المكسيك من جهة أخري، تعد في مجملها تطورا خطيرا علي صعيد العلاقات الدولية العالمية. إذ من المعروف أن التبادل التجاري يعد أهم عنصر في الإقتصاد العالمي خاصة منها المبادلات التجارية العالمية بين الدول و مع الحلفاء و الشركاء الدائمين. كما أن جل الإجراءات الجمركية في العلاقات التجارية العالمية بين الولايات المتحدة الأمريكية و شركائها تبني على المصالح بالدرجة الأولي.
إذ تاريخيا منذ مطلع الثمانينات شهدت العلاقات الأمريكية التجارية مع اليابان توترا حادا خاصة حول التبادل التجاري في قطاع السيارات و ذلك في إطار نفس الموضوع الزيادة في نسبة الضرائب على الواردات. إذ تسعي الولايات المتحدة الأمريكية دائما في فرض قيود جمركية لحماية قطاعها الصناعي المحلي من المنافسات الأجنبية و فرض إجراءات تحفيزية ذات نجاعة اقتصادية على التجارة الداخلية مقابل التجارة الخارجية. كما يمثل التبادل التجاري الأمريكي مع الدول التي تجمعها علاقة اندماج في تكتلات أو فضاءات إقتصادية أهم مصدر لزيادة المداخيل المالية للخزينة العامة الأمريكية. كذلك نذكر في نفس السياق تدهور العلاقات التجارية الأمريكية مع بعض الدول الغربية سنة 2002 و ذلك أيضا حول الضرائب على واردات الفولاذ و هذا يعود للسياسة الحمائية التي تتبعها السياسة التجارية الأمريكية قصد زيادة مداخيل العائدات المالية العمومية و تحقيقها لفائض في الميزان التجاري مع الدول التي تجمعها بهم شركات مباشرة. إذ بلغت آنذاك الضريبة على واردات الفولاذ نسبة 30% في عهد الرئيس الأسبق “جورج ولكر بوش”. إلا أن العواقب كانت وخيمة حيث غيرت بعض الدول وجهة وارداتها من الولايات المتحدة الأمريكية نحو دول أخري تتوفر فيها تسهيلات جمركية و حوافز مالية و صفقات ربحية و أسواق تجارية مغرية خاصة منها الأسواق الإفريقية.
أما التطور الجديد خاصة خلال عهدة الرئيس الأمريكي الأسبق دونالد ترمب على الساحة العالمية كان يتمحور بالأساس حول قراره بفرض قيود جديدة على الرسوم الجمركية أكثر صرامة. إذ تم فرض نسبة 25% ضريبة على واردات الفولاذ و 10% ضريبة جديدة علي واردات الألمنيوم، و ذلك لغرض زيادة الربح المالي من التجارة العالمية و الرفع من فائض الميزان التجاري لصالح الولايات المتحدة الأمريكية مع بقية مبادلات الدول. إذ للتذكير بإتفاقية التجارة الحرة لدول شمال القارة الأمريكية نافتا والتي أبرمت بالأساس لرفع القيود الجمركية و تسهيل عملية الحركية و تبادل البضائع بين البلدان المندمجة في هذا الفضاء التجاري الموحد قصد رفع نسق التبادل التجاري و تحفيز الإستثمار في التجارة العالمية خاصة في مجال المواد الأولية مثل الصلب و الحديد كالفولاذ و الألمنيوم. إلا أن القرار المتخذ خلال تلك العهدة السابقة من طرف رجل المال و الأعمال الرئيس الأمريكي ترمب جاء لينسف تلك الإتفاقية برمتها و يضع الدول الحليفة و الشريكة أمام الأمر الواقع، إما أن تدفع أكثر أو لا مبيعات. فهذا القرار جاء مخالفا لجميع الإتفاقيات و الإلتزامات التجارية السابقة للولايات المتحدة الأمريكية و التي من خلالها تعتبر ملزمة دوليا بالتعهد لما جاء ببنودها، و إندماجها التجاري الحر بفضاء نافتا لا يفرض تلك القيود الجمركية و المالية على المنتجات و إنما يسهل من عملية المبادلات التجارية بين الأطراف الموقعة عليها. إن أطماع زيادة الأرباح من صادرات الولايات المتحدة الأمريكية من الفولاذ و الألمنيوم كاد أن يعقد الأمور على الدول المستوردة مثل “الإتحاد الأوروبي و كندا و المكسيك” و التي بدورها لا تتحمل عبء إضافي على ميزان مدفوعاتها العمومية. إذ في هذا الإطار سارعت بعض الدول الشريكة لإيجاد طرق لردع القرارات المفاجئة و المتهورة من جانب واحد للرئيس ترمب وذلك من خلال فرض عقوبات تجارية جديدة موازية، مثلما فعلت كندا والتي ألغت صفقة تقدر بما يقارب 16 مليون دولار من واردات الخمور الفاخرة و بعض المواد الإستهلاكية المتأتية من الولايات المتحدة الأمريكية. أما دول الإتحاد الأوروبي فهي كثفت من إجتماعاتها الوزارية آنذاك خاصة من قبل وزراء المالية و الإقتصاد و أيضا البرلمان الأوروبي قصد معاقبة الولايات المتحدة عن ذاك القرار الأخير المتخذ من جانب واحد حول فرض الرسوم الجمركية الجديدة على الفولاذ و الأليمينيوم مخالفة بذلك بما جاء في بنود الإتفاقيات التجارية الموقعة بين الطرفين.
إن التجارة العالمية ملزمة بالاتفاقيات و التعهدات العالمية التي ينظمها القانون الدولي طبقا لبنود منظمة التجارة العالمية و كل مخالفة في إحدى بنود كل إتفاقية اندماج في فضاء تجاري حر يلزم الدول المتضررة بتعويضات مالية. إلا أن السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية في العهدة السابقة للرئيس الأمريكي دونالد ترمب اختارت السياسة الحمائية للإنتاج المحلي بفرض قيود جمركية عبر الرفع في نسبة الضرائب علي الواردات قصد زيادة الأرباح المالية و فرض أمر الواقع للقوة الأمريكية علي المبادلات التجارية. بالتالي هنا كادت الأمور أن تعقد تسهيل عملية الواردات خاصة في إطار الإتحاد الجمركي المشترك و ذلك بتقليص نسبة الإستيراد أو البحث عن أسواق جديدة تتمتع بأسعار تفاضلية و بأقل قيود جمركية.
إن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يعد من أبرز رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية تهورا في إتخاذ قرارات مفاجئة و غريبة تخالف جميع المبادئ و التعهدات و الاتفاقيات الدولية و لا تتقيد بجميع الالتزامات الإقتصادية، التجارية و السياسية مع جميع الدول و الحلفاء و الأصدقاء، نذكر منها خاصة قراره إعلان القدس عاصمة إسرائيل و نقل السفارة الأمريكية إلي القدس، الإنسحاب من الإتفاق النووي الإيراني من جانب واحد، الإنسحاب من الإتفاقيات التجارية لدول شمال أمريكا و مع الإتحاد الأوروبي و فرض قيود و رسوم جمركية جديدة أكثر صرامة معها و دخوله في صراع تجاري مباشر مع دولة الصين قصد رفع فائض الميزان التجاري لصالح الولايات المتحدة الأمريكية وفرض قيود على دخول المنتجات الصينية خاصة منها التكنولوجية.
سياسة ترمب في مكافحة الهجرة غير النظامية
شهدت الولايات المتحدة الأمريكية خلال العهدة السابقة للرئيس الأمريكي دونالد ترمب أزمة سياسية داخلية تسببت فيها قراراته الهستيرية، و ذلك من خلال الإغلاق الحكومي الجزئي لأغلب المؤسسات العمومية الأمريكية و إصراره على مواصلة تنفيذ مشروع بناء جداره الفولاذي بين الولايات المتحدة الأمريكية و المكسيك والذي يعتبر مكلف جدا على الخزينة العمومية. فتلك الأزمة كانت لها تداعيات سلبية عميقة بحيث تسبب ذلك الإغلاق الحكومي في خسارة العديد من مليارات الدولارات يوميا.
إن السياسةالإنفرادية لإتخاذ القرارات من جانب الرئيس ترمب أدت إلي تدهور الأمور الداخلية لإدارة البيت الأبيض بالكاد بحيث برزت الإستقالات المتتالية بالجملة خلال فترة حكمة، كما زادت عليها قراراته بإنسحابه من أغلب الإتفاقيات الدولية مع فرض ضرائب جمركية في المبادلات التجارية الأمريكية مع الإتحاد الأوروبي. لكن لم يقتصر الأمر على هذا فحسب، بل إتجهت تلك القرارات الخطيرة نحو مجلس الكونغرس و ذلك من أجل تمويل مشروعه الضخم المعروف بالجدار الفولاذي العازل بين الولايات المتحدة الأمريكية و المكسيك. كما أن سيناريوهات تلك الأزمة لم تنتهي بعد خاصة بعد الخلاف الحاد بينه و بين أعضاء الكونغرس و على رأسهم “نانسي بلوسي و تشاك شومر” خلال عهدته السابقة. فتلك الهستيريا “الترامبية” شكلت بدورها خلال عهدته السابقة تهديدا واضحا لمستقبل السياسة الخارجية للولايات المتحدة مع دول الجوار و بقية دول العالم.
فمن أهم أجندات الرئيس الأمريكي ترمب كانت سابقا و مازالت حتى اليوم تتمثل بالخصوص في مكافحة الهجرة غير النظامية بالقوة ووقف النزوح الجماعي لسكان أمريكا اللاتينية نحو الولايات المتحدة الأمريكية. فإنجاز ذلك الجدار الفولاذي العازل و الضخم يعتبر من أكبر المشاريع الأمريكية تكلفة و لا يحقق منه عوائد مالية للخزينة العمومية الأمريكية بحيث بلغت تكلفة تنفيذ مشروعه الضخم، أولا بطلبه صرف مبلغ مالي يقدر ب 800 مليون دولار كمساعدات إنسانية للاجئين و المهاجرين غير النظاميين من مواطني أمريكا اللاتينية و العالقين على الحدود المكسيكية. بالإضافة لذلك مطالبته بمبلغ إضافي ب 850 مليون دولار كمساهمة لمكافحة تهريب المخدرات و البشر و السلاح والجريمة المنظمة عبر تلك الحدود. أما في المقابل، بلغت تكلفة بناء ذلك الجدار الفولاذي المخصصة في الغرض حسب التقديرات مبلغ إجمالي يقدر ب 5.7 مليار دولار، و هذا يعتبر مبلغ ضخم لا يعتبر من الأولويات الأساسية و مكافحة الهجرة الغير نظامية كانت تكون بطرق أخرى أقل تكلفة وفقا لبعض مواقف المعارضة الأمريكية.
فذلك الجدار العازل لا يمثل إنجازا تنمويا أمريكيا من خلال الإستثمار في تمويله بكل تلك الأموال الضخمة و التي تتطلب ضخ كميات كبيرة من الفولاذ الباهظة أو أيضا بإستعمال النفوذ السياسي لتعطيل المصالح الحكومية بفرض غلق شامل و كامل علي أغلب المؤسسات الحكومية. ففي المقابل يعد تمسك أعضاء الكونغرس بالرفض مبررا لأن كل تلك الأموال لها مصدرها و من الأجدر توجيهها إلي الشؤون الإقتصادية الداخلية المفيدة ذات المردودية الفاعلة و النجاعة العالية. أما مطالبة الرئيس ترمب بتوفير طاقم ضخم متكون من 1700 عامل و 85 خبير تكنولوجي للإشراف علي مراقبة ذلك الجدار يمثل أيضا عائق نظرا لزيادة “التكلفة المادية للإنجاز و أيضا للتسيير و المتابعة”. فعلي الرغم من إيجابيات ذلك الجدار الفولاذي للتصدي لظاهرة الهجرة غير النظامية و لتهريب المخدرات و البشر و تجارة السلاح و تخفيض نسبة الجريمة أو الإرهاب و الحد من نسبة البطالة في صفوف المواطنين الأمريكيين.
إلا أن السلبيات في المقابل كانت هي الطاغية و تمثل حاجز لمواصلة التنفيذ نظرا للتكلفة الباهظة و عزل الولايات المتحدة عن فضائها الإقليمي وتوتير علاقاته الخارجية مع دول جنوب القارة الأمريكية. فمن الأهم و الأجدر لإدارة البيت الأبيض كانت آنذاك إيجاد حلول جذرية لتدفق هؤلاء المواطنين الفقراء و المساكين من دول أمريكا اللاتينية نحو الولايات المتحدة الأمريكية بحيث توفي العديد منهم خاصة في صفوف الأطفال و المسنين علي الحدود المكسيكية في ظروف إنسانية سيئة جدا. فكانت تلك المسائل التي تهم رعايا مختلف بعثات دول أمريكا اللاتينية محرجة جدا لتلك العلاقات مما تسببت بدورها في اضطرابات سياسية لأن الظروف الإنسانية للمواطن اللاتيني في الأخير كانت لها تأثيرات سلبية في الشؤون السياسية بين تلك البلدان مع الولايات المتحدة الأمريكية.
سياسة ترمب القادمة تجاه دول حلف شمال الأطلسي
على الرغم من أن العهدة الأولى لحكم ترمب سادتها بعض التوترات مع بلدان الحلف خاصة من جانب المساهمة في ميزانية الدفاع المشتركة، إلا أن العهدة الجديدة ستكون هي الحاسمة في العلاقات الأمريكية-الأوروبية خاصة في ظل استمرارية الحرب الأوكرانية وتسجيل خسائر مالية متراكمة دون تحقيق نتائج على أرض الحرب. فالتكاليف المتزايدة على الإنفاق العسكري وخاصة خسارة المكانة الدولية كقطب دولي قوي يجعل من إدارة ترمب الجديدة تراجع علاقاتها مع هذا الحلف الذي أضحى يشكل لها عبء على مختلف الأصعدة المالية و العسكرية. لكن في المقابل، هذا التخلى ستكون له ضريبة باهظة خاصة من جانب تمركز الولايات المتحدة الأمريكية كقطب موازي في العلاقات الدولية في ظل تصاعد مكانة الصين وروسيا في تكتلهم البريكس+ والذي أصبح اليوم يضم في عضويته دول جديدة ومطالب عضوية متزايدة.
فقرارات ترمب المستقبلية سترتكز بالأساس على طلب زيادة دعم كل الدول الأعضاء في مساهمتها في ميزانية الحلف وخاصة توفير التجهيزات و زيادة عدد الجنود وتوفير قواعد عسكرية لتطويق روسيا و حماية أوكرانيا من السقوط الكلي للنظام الروسي. أيضا أستبعد عقد صفقة خاسرة بين الولايات المتحدة الأمريكية والتي هي في مرحلة ضعف دولي مع روسيا الفيدرالية التي هي اليوم في مرحلة قوة وانتصارات خاصة بافريقيا و اوكرانيا و تحالفها مع الصين ودول أخرى. كذلك لا يمكن لترمب أن يتخذ قرار من جانب واحد وذلك بالتخلي عن حلف شمال الأطلسي و عن حلفائه التقليديين لأن الولايات المتحدة الأمريكية هي بحاجة أكبر إلى أوروبا عن الماضي وليس بالعكس.
فإنسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من هذا التحالف ستكون له تداعيات سلبية عليها وسوف تنعكس تأثيارته سلبا على مكانتها دوليا و بالنتيجة ستكون هي العدو المقابل للجميع في حالة الإنسحاب، و هذا التخلي سوف يكون بداية انهيارها الفعلي لأن روسيا لن تقبل بالصفقات الخاسرة لها و لن تكون حليف للولايات المتحدة الأمريكية في ظل تنامي الصراع الدولي الراهن على النفوذ في مختلف القارات وبروز تكتلات سياسية و اقتصادية جديدة. كذلك ستلتجأ أوروبا للبحث عن مخرج لأزمتها من الإنهيار وبالنتيجة ستتقرب من روسيا التي طلبت سابقا الإنضمام لحلف الناتو نظرا لأن القانون التأسيسي لها يسمح بإنضمامها في عضويتها وفي المقابل ابرام صفقة نهائية بخصوص أوكرانيا. كذلك ممكن بروز تحالفات جديدة بين بعض البلدان الكبرى على غرار فرنسا مع روسيا في إطار صفقة أو حتى دخول بعضها في تحالف البريكس مقابل فرض اليورو كعملة دولية في المبادلات التجارية خاصة مع الصين وبقية الدول الأعضاء.
فهنا أكبر مستفيد إذا تخلت الولايات المتحدة الأمريكية عن أوروبا ستكون الصين لأنها تخطط على المدى البعيد لسنة 2050 لخلق التفوق التجاري و التكنولوجي و تدفع بروسيا في الواجهة العسكرية مع أوروبا.
أما بخصوص روسيا فعودة تحالفها مع أوروبا في صفقة محتملة إذا قررت الولايات المتحدة تغيير أولوياتها و علاقاتها الخارجية ستكون إيجابية نظرا لأنها تعتبر السوق المهمة لتصدير الطاقة لها و خاصة الدعم اللوجستي و تسهيل المعاملات المالية. بالإضافة إلى ذلك ستساهم مبيعات بعض المنتجات الروسية للسوق الأوروبي في تحقيق عوائد مالية ضخمة لروسيا منها بالأساس منتجات الخمور و الأجبان و الكافيار. فالسيناريو الأقرب للواقع ستتمسك إدارة ترمب بالحليف الأوروبي التقليدي ولن تدعه يغرق بل ستفرض عليه دعم اضافي في التعاون المشترك وربما تحويل وجهة الحرب بالوكالة نحو القارة الإفريقية وارهاق روسيا في مشاكل عسكرية خارجية و اقتصادية داخلية.
ترمب و حرب الشرق الأوسط و الأوضاع بالقارة الإفريقية والآسيوية
إجمالا، للعودة إلى خلفية فترة حكم ترمب السابقة خاصة في تعاملها مع ملف الشرق الأوسط وبعض البلدان بالقارة الإفريقية منها الملف الليبي و بالقارة الآسيوية نذكر الملف التايواني كانت في مجملها تتعامل معها بحذر أو بخلق لها توترات أو بالأحرى”صراعات وحروب بالوكالة”. فعامل عدم الإستقرار من منظور ترمب سيخلق التفوق الإقليمي بالمنطقة لحليفته اسرائيل والتي هي حاليا متضررة من حرب مباشرة مكلفة من جانب الإنفاقات العسكرية. فسيناريو مواصلة تلك الفوضى الخلاقة بالمنطقة ونهب ثروات تلك الأوطان بأرخص الأسعار وأحيانا مجانا سيتواصل للسنوات القادمة وخاصة منها اغراق المنطقة كلها في حروب و نزاعات ستديرها الولايات المتحدة عبر وكلائها بالمنطقة ونذكر منها بالأساس ما يحدث اليوم بدولة سوريا وذلك في إطار تشكيل خارطة جديدة للشرق الأوسط.
أما بخصوص القارة الإفريقية خاصة ما حدث بجل تلك الدول التي شهدت سلسلة إنقلابات عسكرية و ابرامها لشراكات استراتيجية جديدة عسكريا مع روسيا و اقتصاديا مع الصين. أيضا ما يحدث من صراعات بكل من دولة ليبيا و دولة السودان ستجعل ادارة ترمب تهتم أكثر فأكثر بالوضع السياسي بالقارة الإفريقية نظرا لإمتلاكها لتلك الثروات الطبيعية الهامة وخاصة منها موقعها الإستراتيجي. إذ من الأرجح أن تبرز قوى معارضة ديمقراطية داخلية شرسة داخل تلك الدول تخلق الفوضي وعدم الإستقرار إلى جانب إحتمالية تشكيل فيلق موازي للفيلق الإفريقي لقيادة حروب جديدة بالوكالة داخل تلك القارة تحت تشكيلات من المرتزقة والعصابات.
أما الوضع الآسيوي فهو معقد نوعا ما نظرا لدور كوريا الشمالية بتلك المنطقة خاصة منها تهديدها للأمن القومي لجل الدول المجاورة من خلال التلويح بإستعمال الأسلحة النووية، لكن في المقابل ستكون قضية تايوان هي ورقة الضغط الدولية التي ستستعملها ادارة ترمب للتأثير على الصين. بالإضافة الى ذلك ستسعى الإدارة القادمة لفرض قيود جديدة على المبادلات التجارية الصينية و محاولتها لتعطيلها تكنولوجيا أو ايقاعها في مشاكل داخلية أو اقليمية تتسبب لها في عدم استقرار داخلي.
في النهاية، شهدت عهدة الخمسة سنوات الفارطة من حكم الرئيس الأمريكي دونالد ترمب العديد من الإضطرابات و التحديات، مما خلقت بالنتجية العديد من التوترات على مستوى العلاقات الدولية لأن سياسته الخارجية تتلخص بالأساس في محور مصالح “أمريكا أولا” مهما كان الثمن وهذه الخلفية ستتواصل خلال عهدته القادمة وممكن ستكون أكثر حدة وإستغلال لأى حدث مع استخدام الضغوطات السياسية و العسكرية بوجه مغاير عن السابق. فالخروج من طرف واحد من اتفاقيات مبرمة بين تكتلات اقليمية و دولية أو فرض رسوم تجارية مجحفة و تنفيذه لسياسة الإبتزاز و المقايضة و المماطلة مع أقرب الدول الحليفة للولايات المتحدة الأمريكية، أيضا انتهاجه لسياسة الفصل العنصري و تنفيذ مشاريع وفقا لأفكاره الخاصة أوضحت للعالم ككل أن سياسته الخارجية لها ملامح خاصة بحيث يسير الإدارة الأمريكية كما يسير مشاريعه الخاصة و لا يرغب ذلك الرئيس المتهور في عقد صفقات خاسرة لا تدر عليه أرباح مالية منتظرة. أيضا تفرده بسلطة قراره ممكن أن تكون لها عواقب وخيمة على الولايات المتحدة الأمريكية و علاقاتها التاريخية مع شركائها التقليديين. فتلك السلوكيات و الخلفية السابقة للسياسة الخارجية للرئيس ترمب ستحدد مجددا ملامح السياسة الخارجية القادمة بعد اعادة انتخابه مجددا خاصة منها، ملف الحرب الأوكرانية الروسية، و أيضا احتمال تصاعد الحروب بالوكالة و خلق الفوضى وخاصة الإهتمام بالشأن الإفريقي و التي ستكون حلبة الصراع القادم والتي ستقرر مصير تشكيل العالم الجديد في ظل تنامي التواجد الصيني والروسي بها. أما بخصوص سياسة الإبتزاز المالي و خلق الخطر الوهمي و الحرب التجارية بين الصين و الولايات المتحدة الأمريكية ستتواصل لأن الفكر “الترامبي” هو فكر رأسمالي ربحي بالأساس لا أكثر و لا أقل، و لا يدخل في صراع عسكري مباشر مع أى طرف مهما كان، إذا كان ذلك لا يحقق صفقة رابحة للولايات المتحدة الأمريكية.




