خاص الرقيب – رنا سبوبة
في حديث للباحث في معهد ماس الأستاذ مسيف مسيف في برنامج “الجبهة الإعلامية” من إعداد وتقديم طلعت علوي والذي يبث عبر أثير إذاعة الرقيب، قال أن من يتتبع الاقتصاد الفلسطيني في السنوات العشر الأخيرة يلاحظ أنه اقتصاد منهك بكل ما تحمله الكلمة من معنى وأوعز ذلك إلى سببين الأول السياسية الخارجية الإسرائيلية والتضييقات، والسبب الآخر هو السياسات الداخلية الفلسطينية .
وقسم مسيف الاقتصاد الفلسطيني إلى ثلاثة أقسام وهم الحكومة، والقطاع الخاص، والعمالة في الداخل المحتل وذكر أن الحكومة تساهم تقريباً بثلث الاقتصاد، والقطاع الخاص يساهم تقريباً ب50% من الاقتصاد، والمتبقي للعمالة في الداخل المحتل، مضيفاً أن الاقتصاد الفلسطيني يعتمد بشكل كبير على المساعدات الدولية التي كانت تشكل 30% قبل 10 سنوات واليوم تشكل 5% فقط.
وأضاف أن الحكومة غير قادرة على تحريك الاقتصاد بسبب سياسة الانفاق الاستهلاكي وليس الانفاق التطويري واعتبره تشوه في هيكل الاقتصاد الفلسطيني، وتشوه في هيكلية بناء الموازنة، وأوعز ذلك إلى السياسات الإسرائيلية وتحكمها بالموارد الفلسطينية فيتبقى أمام الحكومة الموارد التي تأتي من الضرائب وخاصة المقاصة .
مشيراً أنه على الرغم من الغموض المفروض على الملفات الاقتصادية إلا أن النتائج والدلائل واضحة، وأضاف أن العمالة في الداخل المحتل تصل إلى 16% من الاقتصاد الفلسطيني أي ما يقارب 800 مليون دولار دخل الأسر الفلسطينية من العمالة وقال “لك أن تتخيل أن هذا الدخل توقف بالكامل”، أي ما يقارب 200000 عامل مسجل وغير مسجل يعملون بالداخل المحتل بدخل شهري يعادل ما يقارب 225 مليون دولار وهذا توقف بالكامل بالتالي له تداعيات كبيرة جداً، أما العامل الثالث الذي ذكره مسيف هو القطاع الخاص في فلسطين وإنتاج القطاع الخاص الفلسطيني الذي اعتبره قطاع يتأثر سريعاً بعدة عوامل أولها العمالة في الداخل والإنفاق الحكومي والسياسات الحكومية والسياسات الاقتصادية اتجاه القطاع الخاص.
إلى أين نتجه؟
قال مسيف لإذاعة الرقيب أنه عندما نفقد جزء هام من مدخولات الاقتصاد الفلسطيني وهي العمالة ونفقد تأثير العمالة على اقتصاد القطاع الخاص وتأثير العمالة على الإيرادات بكلمات بسيطة قال “دخلنا بالحيط”، من أول يوم في هذه الحرب .
وأضاف أن اقتصاد “إسرائيل” 25 ضعف اقتصاد الضفة و 150 ضعف اقتصاد غزة وهذه فجوة اقتصادية هائلية وهذا ليس فقط عدم توازن في القوى العسكرية بل أيضاً عدم توازن اقتصادي.
أولويات الاقتصاد اليوم
شدد مسيف أن ملف العمال له الأولوية اليوم لأنهم هم من يحركون الاقتصاد الفلسطيني من خلال تفعيل الطلب، 200000 عامل توقفوا عن العمل هذا يعني تأثر الإيرادات الحكومية والقطاع الخاص وفي حال تحرك ملف العمال تلقائياً تتحرك القطاعات الأخرى، ووقفهم يؤدي إلى وقف 15% من الاستيراد الفلسطيني بسبب نقص الطلب وبسبب الميل الحدي للادخار بالتالي الميل الحدي للاستهلاك مؤكداً أن هذه قاعدة اقتصادية، وأضاف هذا يعني أن راتب الموظف في الاقتصاد الفلسطيني ناجم عن العمالة في الداخل المحتل، ورجح سبب التنازل الكبير الذي حدث في أوسلو لملف العمالة أي أن السلطة تنازلت عن الكثير من القضايا حتى تقبل ” إسرائيل ” بملف العمالة، وتأسف أنه اليوم نكتشف رجوعنا لنقطة الصفر بمعنى اختفى ملف العمالة بلحظة بالتالي اختفت معه كل التضحيات السابقة و ذهبت سدى والنتيجة هي معاناة كبيرة جداً في الفترة القصيرة الأجل القادمة، ولكن الفترة طويلة الأجل تعتمد بشكل كلي على السياسات الاقتصادية الفلسطينية.
المالية العامة
أشار مسيف إلى أن 70% من صافي الإيرادات العامة هو من المقاصة، والمقاصة هي الجمارك وضريبة شراء وضريبة بترول و ضريبة قيمة مضاعفة، و أضاف أن 70% من هذه المقاصة يأتي من الاستيراد بمعنى الاستيراد من خارج دولة الاحتلال، و 30% إيرادات محلية وتشمل ضريبة الدخل 12% وضريبة القيمة المضافة ما يقارب 9% والمتبقي جباية محلية وقال أنه في آخر دراسة عمل عليها في ماس أظهرت أن الضريبة المحلية تصل إلى ما يقارب 1.4 مليار أي ما يعادل 1400 مليون شيكل سنوياً وهذه تشكل 9%، مؤكداً أنه الآن وقف ملف العاملة سيعيد هذه الضريبة إلى 3%، أي 35-40 مليون شيكل تراجع في ضريبة القيمة المضافة وضريبة الدخل .
وعلق على ما يتعلق بتراجع الإيرادات غير المباشرة قائلاً أنه في هذه الفترة التوقعات والتقديرات أنها ستتراجع من 16-20% خلال أول شهرين من الحرب وهي بدأت عملياً، بالتالي اعتبر مسيف هيكل النظام الضريبي الذي يعتمد على باريس الاقتصادي لا يتناسب مع الاقتصاد الفلسطيني واعتبره السبب في كون ضريبة الدخل تشكل 10% فقط وهذا خلل جوهري كبير، على عكس لو كان الوضع طبيعي ستصل إلى 25-30%، وأعرب عن أسفه أنه منذ 25 سنة لغاية اليوم هذه النسبة ثابتة بمعنى لم يكن هنالك تعديل على هيكل النظام الضريبي .
وفي مداخلة هاتفية للدكتور مطانس شحادة خبير في الاقتصاد الإسرائيلي قال أن العامل الاقتصادي سيكون عامل هام في اتخاذ القرار الإسرائيلي بخصوص استمرارية الحرب، حيث في الشهر الأول حاولت الحكومة والمجتمع في الداخل احتواء الأزمة الاقتصادية بالأدوات المتاحة مثل إزاحة ميزانيات من بند إلى بند للتغلب على الضائقة معتبرين أن هذه الحرب تختلف عن أي مره سابقة، لأنها جاءت في العمق “الإسرائيلي ” في الجبهة الداخلية فبدأت الحرب في الجنوب وتعطل الاقتصاد تماماً في تلك المناطق، وتعطل بشكل نصفي في الشمال أيضاً، وتضرر الاقتصاد في المنتصف نتيجة تراجع الاستهلاك، وأضاف أن الاستثمارات تتراجع وهنالك زيادة في البطالة، وأكد على الحاجة إلى رصد ميزانيات كبيرة للمجهود الحربي مشيراً أنه وفي تقدير أولي عن تكلفة المجهود الحربي من وزارة المالية قرابة 250 مليار شيكل هذا يشمل 360 ألف جندي احتياط خرجوا من سوق العمل بالتالي هنالك ضرر اقتصادي كبير في كافة المعقايير وسيكون من الصعب على دولة الاحتلال تمويله، ويعز ذلك إلى أن التمويل الأساسي سيكون بواسطة القروض الخارجية الأجنبية، والآن التدرج الإتماني الإسرائيلي يتراجع هذا سيؤدي إلى دفع نسبة فائدة أعلى على تجنيد القروض .
ووصف مطانس وزير المالية سموتيريتش بالمعتوه لأنه يرى أنه لا علاقة له بالاقتصاد ولا بالمالية ويتصرف من منطلقات إيدولوجية، وأكد أنه حتى في وسط هذا الظرف هنالك انتقادات شديدة عليه من قبل الإعلام الإسرائيلي، لأنه يهتم بالاستيطان وتحويل ميزانيات للمتدينيين أكثر مما يهتم في إدارة الحالة الاقتصادية في الحرب وكل ما طال أمد الحرب أو توسعت أكثر سيرتفع الثمن الاقتصادي، سواء الأثمان المباشرة أو الأثمان التي ستظهر بعد انتهاء الحرب لأن مكانة الاقتصاد ” الإسرائيلي” تراجعت هذا يعني أن الاستثمارات الخارجية أيضاً تراجعت.
مشيراً إلى أن التقديرات لغاية الآن بتراجع النمو الاقتصادي في الربع الأخير من هذا العام في الداخل المحتل بنسبة 4% والمحصلة العامة للنمو في العام 2023 ستكون قرابة 1.5% فقط وفي العام 2024 ستكون 0.5% فقط، هذا يعني أن الاقتصاد ” الإسرائيلي” سيعود بضعة سنوات إلى الخلف بسبب هذه الحرب على غزة، وأضاف أنه لغاية اللحظة تحاول إسرائيل احتواء ذلك والاستعانة بالمساعدات الأمريكية وما يوجد من بقايا أو فائض في الميزانيات السابقة، لكن هذا لن يدوم طويلاً وسيكون مؤثراً على قرار كيفية استمرار الحرب مؤكداً أن هذا ليس العامل الوحيد لكنه سيكون عامل مؤثر، مضيفاً إلى أن “إسرائيل” مصرّة على استمرار هذه الحرب حتى لو جاء مقابل دفع أثمان لأنهم اعتبروها حرب وجودية أو حرب استقلال ثانية كما سماها نتنياهو وأكد أن هذا لن يدوم لأنه ستبدأ ضغوطات جدية من قبل قطاع الأعمال والمجتمع والوزارات للتعامل بشكل مختلف مع الجانب الاقتصادي.
مصير الشيكل
قال د.مطانس أنه في الأيام الأولى كان هنالك تراجع كبير للشيكل وتراجع لسوق الأسهم أيضاً بشكل حاد لكن تم احتواء هذا الجانب، بسبب سياسات عميد بنك إسرائيل اللي ضخ مليارات الدولارات للأسواق، مؤكداً أن التراجع في البداية كان بسبب الصدمة ولم يكن هنالك داع له وأوعز الاستقرار الآن لأن العالم ما زال يتعامل مع الاقتصاد الإسرائيلي على أنه اقتصاد قوي، ثانياً لم تظهر لغاية الآن النتائج الحقيقية على هذا الاقتصاد وطبعاً بسبب تصرف بنك إسرائيل، ويعتقد أنه إذا استمر الوضع على ما هو عليه الآن سيكون هنالك تراجع طفيف بالشيكل وأنه لن يحصل انهيار، لكن في حال توسع الحرب لجبهات أخرى سيكون هنالك تراجع واضح، ويعز ذلك إلى دور العامل النفسي والخوف في الشارع “الإسرائيلي”، وليس فقط العوامل الاقتصادية أو السياسية، وأضاف أنه هناك تجند شبه كامل من الجاليات اليهودية في العالم لدعم إسرائيل واقتصادها، مؤكداً أنه ليس بالضرورة استمرار الوضع على ما هو عليه ومن المبكر تلخيص الحالة الاقتصادية .
الفرق بين الاقتصاد الفلسطيني والاقتصاد الإسرائيلي
عقّب مسيف على كلام مطانس قائلاً أن الفارق بين الاقتصادين هي القدرة على التعافي والسرعة في التعافي وتساءل عن قدرة الاقتصاد الفلسطيني على التعافي بعد هكذا صدمة اقتصادية كبيرة جداً جداً بالمقارنة مع قدرة الاقتصاد الإسرائيلي على التعافي .
وقال أن السبب في عدم القدرة او الجرأة على تغيير واقع الاقتصاد الفلسطيني هو طوق اتفاق باريس الاقتصادي الذي يطوق كافة السياسات الاقتصادية الفلسطينية حتى يظل اقتصاد تابع، مؤكداً أنه في حالة الرغبة بالتغيير الحل هو الغاء باريس الاقتصادي، وأضاف أنه لو كان هناك سياسات اقتصادية تصب في المجال الصناعي والاقتصادي على مدار السنوات السابقة لكان لدى الاقتصاد الفلسطيني اليوم القدرة على استيعاب تبعيات هذه الحرب.
وأعطى مسيف أمثلة على بعض السلع قيمتها مليار دولار نستطيع انتاجها في فلسطين والتي نسبتها تشكل 15% من الاستيراد الفلسطيني منها الحيوانات الحية والدجاج والطيور وتكلفتها 245 مليون دولار، لحوم مجمدة 43 مليون دولار، ألبان وحليب ومشتقاتهما 52 مليون دولار، بيض 25 مليون دولار، الخضار والفواكهة ما يزيد عن 200 مليون دولار، الحبوب 200 مليون دولار، البوظة 13 مليون دولار، عصائر ومياه معدنية 212 مليون دولار واستنكر هذه الأرقام خاصة كون الشعب الفلسطيني شعب فلاحيين و مزارعين.
المقاطعة وتأثيرها على الاقتصاد الفلسطيني
قال مسيف أن المقاطعة هي قرار الشعب الفلسطيني، وتوقع زيادة المقاطعة نتيجة الحرب الحالية مما يساهم في تعزيز الانتاج المحلي، وأكد أن هذا يحفز السوق على الإنتاج خاصة في حالة مقاطعة سلع لا يوجد لديها بديل في الوقت الحالي، هذا يخلق فرصة جديدة لإنتاج سلعة جديدة.
وأضاف أن الموازنة التطويرية 97-98% منها من المانحين وهذا لا يعقل خاصة أنه يوجد هوامش انتاجية يمكن الاستفادة منها، مؤكداً أنه يجب علينا الاستفادة من قدراتنا في الإنتاج .



