ارتفعت تكلفة الشحن عبر مجموعة من الممرات البحرية الرئيسية خلال الشهر الماضي، نتيجة تداعيات الحرب على إيران من جانب، وتأثير التغير المناخي الذي تسبب في ارتفاع الجفاف من جانب آخر، الأمر الذي أدى إلى زيادة تكلفة النقل والإنتاج، ورفع مستويات التضخم.
وأدى الجفاف المستمر لفترات طويلة في أوروبا وأمريكا اللاتينية، علاوة على إغلاق مضيق هرمز، إلى رفع الأسعار في مسارات رئيسية للشحن البحري، بما في ذلك قناة بنما والبحر الأحمر والبحر الأسود ونهر الراين، لتصل إلى مستويات قياسية، وذلك وفقا لوكالة “أرجوس” المتخصصة في متابعة أسعار الشحن.
واضطرت الكثير من شركات الشحن إلى البحث عن طرق بديلة لمضيق هرمز، الذي كانت تمر به نحو 20% من الإمدادات العالمية من النفط الخام ومشتقاته والغاز الطبيعي المسال قبل اندلاع الحرب، مما ساهم في ارتفاع تكلفة الشحن.
ووصف مدير شركة الشحن البلجيكية “سي إم بي تيك”، ألكسندر سافيريس، في مقابلة مع فايننشال تايمز الأسعار في سوق الشحن بأنها “غير مسبوقة”، موضحا أن هناك مصانع قد تضطر إلى الإغلاق أو الحصول على السلع والخامات اللازمة لها من مناطق أعلى تكلفة.
ارتفاع تكلفة النفط والتأمين
وفي السياق نقلت فايننشال تايمز عن وكالة أرجوس أن تكلفة شحن النفط من الخليج إلى آسيا ارتفعت لنحو 15.22 دولارا للبرميل في 10 أغسطس/آب الجاري نتيجة التهديد من جانب الحوثيين في اليمن باستهداف ناقلات نفط عند عبورها مضيق باب المندب، وهو أعلى مستوى لتكاليف نقل النفط منذ أن بدأت الوكالة متابعتها في عام 2005.
وفي البحر الأسود، سجلت أسعار شحن الناقلات المتجهة إلى البحر المتوسط أيضا أعلى مستوياتها هذا الأسبوع منذ عام 2005 على الأقل، وفق بيانات وكالة أرجوس.
وتجنبت بعض الشركات التي تنقل البضائع من آسيا إلى أوروبا المرور في البحر الأحمر وقناة السويس في ظل المخاطر القائمة، واضطرت للدوران حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا، وهو ما يضيف أكثر من 10 أيام لزمن الرحلة، ويزيد بالتالي استهلاك السفن للوقود.
ولا يزال سعر النفط مرتفعا مقارنة بما كان عليه قبل اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في نهاية شهر فبراير/شباط الماضي، حيث بلغ سعر النفط من خام برنت في معاملات الاثنين نحو 89 دولارا للبرميل، بينما بلغ سعر النفط من خام غرب تكساس الوسيط نحو 83 دولارا للبرميل.
ولا تقتصر الزيادة في تكاليف الشحن على ارتفاع أسعار النفط وزيادة زمن الرحلات، بل تشمل أيضا ارتفاع تكلفة التأمين لنحو 3 أمثال ما كانت عليه، وفق شركة “آير-7 سيز” الأمريكية للشحن.
تراجع منسوب المياه بقناة بنما
وذكرت صحيفة الغارديان البريطانية أن السفن التي تعبر قناة بنما تواجه زيادة في رسوم المرور بالقناة، وتعاني من فترات انتظار طويلة، نتيجة كثافة حركة المرور عقب اندلاع حرب إيران، علاوة على تراجع منسوب المياه في القناة بسبب ما يُعرَف بظاهرة النينو المناخية.
وأضافت الصحيفة أن السفن تنتظر نحو 10 أيام في المتوسط لعبور القناة التي تربط المحيط الأطلنطي بالمحيط الهادي، وهي أطول فترة انتظار منذ شهر مايو/أيار الماضي.
وتدفع شركات الشحن رسوما محددة لحجز دور لعبور القناة، لكنّ هيئة قناة بنما -التي تتولى إدارة الممر المائي- تقوم بإجراء مزادات يومية تتيح لمالكي السفن دفع مبالغ إضافية لتجاوز طابور الانتظار، وتبدأ العروض من حوالي 15 ألف دولار لسفن الشحن الصغيرة و55 ألف دولار للسفن الأكبر حجما.
وأشارت الغارديان إلى أن سفينة حاويات دفعت نحو 4 ملايين دولار لتجاوز طابور من السفن التي كانت تنتظر العبور خلال شهر أغسطس/آب الجاري.
من جهتها ذكرت فايننشال تايمز أن تكلفة المرور في قناة بنما ارتفعت إلى مستويات قياسية، حيث:
بلغت ما بين 1.1 إلى 2.5 مليون دولار، حسب حجم السفينة، وهي أيضا أعلى رسوم للمرور منذ عام 2005، وفق أرجوس
بينما ارتفع متوسط أسعار الشحن الفوري للحاويات المتجهة من الشرق الأقصى إلى الساحل الشرقي للولايات المتحدة بنسبة 234% على أساس سنوي، ليصل إلى 10249 دولارا للحاوية بطول 40 قدما.
تأثير جفاف نهر الراين
وفي ألمانيا، تراجعت مستويات المياه في نهر الراين، وهو ممر مائي حيوي لألمانيا التي لديها أكبر اقتصاد في أوروبا، إلى أدنى مستوياتها منذ ما يقرب من 150 عاما، وفق تقرير لشبكة سي إن بي سي الأمريكية.
وأوضحت ليز ساكوتشيا، مسؤولة ملف الأمن المائي في “معهد الموارد العالمية” ، للشبكة الأمريكية أن الأنهار الكبرى في أوروبا، مثل الراين والدانوب، تمثل ممرات تجارية حيوية ومصادر للمياه اللازمة للصناعة وتوليد الطاقة؛ لذا فإن انخفاض مستويات المياه يؤدي إلى تداعيات تتجاوز بكثير حدود هذه الممرات المائية.
ونقلت الشبكة عن ستيفان كووتس، أستاذ الاقتصاد في معهد كيل للاقتصاد العالمي، وهو مركز أبحاث ألماني، أن انخفاض منسوب المياه في نهر الراين قد يؤدي إلى تراجع الناتج المحلي الإجمالي لألمانيا بنسبة تصل إلى 0.2% خلال الربع الثالث من العام الجاري.
التأثير على سلاسل الإنتاج
وتشير شركة “آير-7 سيز” الأمريكية للشحن إلى أن تأثير ارتفاع تكلفة الشحن له تأثير كبير على سلاسل الإنتاج في قطاعات عدة، ومنها على سبيل المثال:
قطاع الغذاء والزراعة: يجري تغيير مسارات شحنات الحبوب والأسمدة والزيوت الغذائية التي كانت تمر عبر منطقة النزاع أو بالقرب منها، كما يجري تعديل أسعارها، مع زيادة تكلفة الشحن، علاوة على ارتفاع أسعار الأسمدة التي كان يمر جانب كبير منها من مضيق هرمز.
قطاع السيارات: تعتمد مصانع السيارات الأمريكية على مصادر عالمية لتوريد آلاف المكونات. وقد بدأت بالفعل شحنات الموردين من آسيا والشرق الأوسط المتأخرة في التسبب في تعطّل خطوط الإنتاج.
الإلكترونيات: تتدفق المواد الكيميائية المتخصصة المستخدمة في تصنيع الرقائق وغيرها من المكونات المهمة لصناعة الإلكترونيات من آسيا، وتتأثر تكلفتها بارتفاع تكاليف الشحن.
ومن ثم، يمكن القول إن ارتفاع تكلفة الشحن في الممرات العالمية الرئيسية، مثل مضيق هرمز وقناة بنما والبحر الأحمر، يؤدي بالتبعية لارتفاع تكلفة الخامات والسلع الوسيطة اللازمة للإنتاج في قطاعات اقتصادية مهمة، مثل الأسمدة لقطاع الزراعة وقطع غيار السيارات والرقائق لشركات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يُسبب موجة تضخم واسعة تطال المستهلكين في مختلف مناطق العالم.
المصدر: رويترز + سي إن بي سي + غارديان + فايننشال تايمز



