تُعد البطولة الأكبر في عالم كرة القدم بمثابة آلة اقتصادية هائلة؛ ففي هذا العام، يتوقع الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” تحقيق إيرادات قياسية من كأس العالم 2026، وتترقب الولايات المتحدة دفعة اقتصادية بمليارات الدولارات، كما تجاوز حجم المراهنات العالمية المستويات المسجلة في البطولات السابقة.
وفقاً لكتاب اقتصاديات كرة القدم The Economics of Football للمؤلفين ستيفن دوبسون وجون جودارد، تُعد اللعبة صناعةً تشكلها عوامل متعددة تشمل القوة المالية، وأسواق العمل، والإدارة، والجماهير، وحقوق البث الإعلامي، والمراهنات.
وتُعد نسخة عام 2026 الأضخم اقتصادياً في تاريخ بطولات كأس العالم حتى الآن.
انطلقت البطولة في 11 يونيو وتستمر حتى 19 يوليو عبر الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وقد شهدت توسعاً في عدد الفرق المشاركة من 32 إلى 48 فريقاً، وزيادة في عدد المباريات من 64 مباراة (كما كان الحال في قطر) إلى أكثر من 100 مباراة على مدار ستة أسابيع. وبفضل حجمها الكبير، وأسواق أميركا الشمالية، ومواعيد البث العالمية الملائمة للمشاهدة، تُعتبر هذه النسخة الأكبر لكأس العالم على الإطلاق، سواء من حيث النطاق الاقتصادي أو العوائد المالية.
بلغت إيرادات الاتحاد الدولي لكرة القدم فيفا 4.64 مليار دولار في عام 2018، ثم 766 مليون دولار في 2019، و267 مليون دولار في 2020، و766 مليون دولار في 2021، و5.77 مليار دولار في 2022، وفق ما أورد تقرير لبزنيس ستاندرد.
وانخفضت الإيرادات إلى 1.17 مليار دولار في 2023 و483 مليون دولار في 2024، ثم ارتفعت إلى 2.66 مليار دولار في 2025، ومن المتوقع أن تصل إلى مستوى قياسي يبلغ 8.91 مليار دولار في 2026، بزيادة قدرها 54.5% عن عام 2022 ونحو 92% عن عام 2018.
ووفقاً لتحليل أجرته مؤسسة ستاتيستا Statista، من المتوقع أن تدر حقوق البث في هذا الموسم 3.93 مليار دولار (أي ما يعادل 44% من الإيرادات)، بينما ستوفر خدمات الضيافة والتذاكر 3.02 مليار دولار (أي 34%)؛ وبذلك يشكل هذان المصدران معاً 78% من إجمالي الإيرادات. وتساهم أنشطة التسويق بمبلغ 1.786 مليار دولار (20%)، وعقود الترخيص بمبلغ 111 مليون دولار (1%)، ومصادر الدخل الأخرى بمبلغ 72 مليون دولار (أي حوالي 1% أيضاً).
وتشير تقديرات “ستاتيستا” – المستندة إلى بيانات الفيفا ومنظمة التجارة العالمية – إلى إضافة 17.2 مليار دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة، وهو ما يمثل حوالي 0.05% من إجمالي الناتج. وتتوزع هذه المساهمة كالتالي: قطاع الإقامة والطعام (2.4 مليار دولار)، والعقارات (2 مليار دولار)، وتجارة الجملة والتجزئة (1.5 مليار دولار)، والخدمات الفنية والمهنية (1.3 مليار دولار)، والخدمات المالية والتأمين (1.1 مليار دولار). الإدارة العامة والدفاع 1.1 مليار دولار؛ والقطاعات الأخرى 7.8 مليار دولار، أي حوالي 45%.
التشكيلات والنجوم والأصول الرياضية
قدّر المركز الدولي للدراسات الرياضية CIES قيمة تشكيلات المنتخبات الوطنية كالتالي: إنكلترا 1.45 مليار يورو، وفرنسا 1.44 مليار يورو، وإسبانيا 1.41 مليار يورو، وألمانيا 1.09 مليار يورو، والبرتغال 910 ملايين يورو. وتتجاوز قيمة منتخبات إنجلترا وفرنسا وإسبانيا حاجز الـ 1.4 مليار يورو لكل منها.
وبلغت القيمة السوقية للاعبين: لامين يامال 358 مليون يورو، وإيرلينغ هالاند 227 مليون يورو، وكيليان مبابي 166 مليون يورو، ومورغان روجرز 137 مليون يورو، وكينان يلدز 133 مليون يورو. وتفوق قيمة يامال نظيرتها لدى هالاند بمقدار 131 مليون يورو، كما أنها تعادل ضعف قيمة مبابي، وهي أرقام تعكس عوامل السن والأداء والإمكانات والقيمة طويلة الأمد.
الجوائز والكؤوس وكرات القدم
حصل الفائزون بكأس العالم على مبالغ مالية متدرجة: 2.2 مليون دولار في عام 1982، و2.8 مليون دولار في 1986، و3.5 مليون دولار في 1990، و4 ملايين دولار في 1994، و6 ملايين دولار في 1998، و8 ملايين دولار في 2002، و20 مليون دولار في 2006، و30 مليون دولار في 2010، و35 مليون دولار في 2014، و38 مليون دولار في 2018، و42 مليون دولار في 2022.
ومن المقرر أن يحصل الفائز بلقب عام 2026 على 50 مليون دولار، بزيادة قدرها 8 ملايين دولار (أو 19%) عن جائزة عام 2022، وهو مبلغ يفوق قيمة جائزة عام 1982 بأكثر من 22 ضعفاً.
صُممت كأس البطولة لعام 2022 -المصنوعة من الذهب عيار 18 قيراطاً- على يد النحات الإيطالي سيلفيو غازانيغا. أما كرات البطولات السابقة، فقد تميزت كرة تي-موديل T-model وكرة “تيينتو Tiento المستخدمتين في أوروغواي عام 1930 بكونهما مصنوعتين من الجلد المخيط مع وجود أربطة خارجية، بينما طوّرت كرة تشالنج 4-ستار Challenge 4-Star المستخدمة في إنكلترا عام 1966 هذا التصميم.
واستخدمت كرة أديداس تلستار Adidas Telstar في المكسيك عام 1970 ألواحاً سوداء وبيضاء لتلائم البث التلفزيوني أحادي اللون (الأبيض والأسود)، في حين أرست كرة تانغو إسبانيا Tango España لعام 1982 نمطاً زخرفياً مميزاً.
وحسّنت كرة أزتيكا الاصطناعية لعام 1986 من متانتها ومقاومتها للماء وثباتها؛ بينما قدمت كرة فيفرنوفا لعام 2002 بنية ألواح جديدة. أما كرة تيمغايست الألمانية لعام 2006، ذات الألواح الأقل، فقد أنتجت طيراناً أكثر سلاسة؛ ويرمز اللونان الأسود والأبيض إلى ألمانيا، بينما ترمز الخطوط الذهبية إلى الكأس. تحتوي كرة “تريوندا” لعام 2026 على مستشعر حركة ينقل بيانات التلامس والسرعة والحركة والموقع، مما يساعد المسؤولين على تحديد لحظة ضربها.
طفرة المراهنات
من المتوقع أن تصبح بطولة كأس العالم لعام 2026 أكبر حدث للمراهنات في التاريخ، حيث يُتوقع أن تتجاوز قيمة الرهانات العالمية 50 مليار دولار (37.4 مليار جنيه إسترليني)، ارتفاعاً من حوالي 35 مليار دولار في عام 2022.
وتعكس هذه الزيادة توسيع نطاق البطولة لتشمل 48 فريقاً وأكثر من 100 مباراة، فضلاً عن تزايد فرص الوصول القانوني للمراهنات الرياضية في الولايات المتحدة، حيث بات بإمكان نحو 65% من السكان وضع رهاناتهم.
وفي حديثه لشبكة فوكس سبورتس Fox Sports، أشار المحلل تشاد بينيون إلى أن هذه الطفرة قد تكون “ظاهرة عابرة” ما لم تنجح الشركات المشغلة في تحويل العملاء العرضيين إلى “مراهنين دائمين يشاركون في مراهنات رياضية متعددة”. وفي المقابل، يبدي الناشطون قلقاً أكبر بشأن الأضرار المحتملة.
وصرح ليس بيرنال، من منظمة “أوقفوا المراهنات الجائرة” Stop Predatory Gambling، لشبكة فوكس سبورتس قائلاً: “سيعاني مئات الآلاف من الأشخاص حول العالم، ولا سيما الشباب، من ديون تغير مجرى حياتهم ومن ضائقة مالية”. ومن جانبها، تؤكد هيئة المراهنات والألعاب Betting and Gaming Council أن الشركات الخاضعة للرقابة توفر تدابير حماية تشمل التحقق من العمر، ووضع حدود للإيداع، وآليات الاستبعاد الذاتي.
هوس أسواق التوقعات
تكشف الرهانات المرتبطة بالبطولة كيف يمكن لهدف واحد أن يحرك مبالغ طائلة من المال. فقد وضع أحد عملاء منصة فان ديول FanDuel رهاناً بقيمة 500 دولار شمل 10 توقعات مجمعة تغطي رياضات متنوعة بالإضافة إلى تحديد أربعة من متصدري المجموعات في كأس العالم، وبعد انتظار دام أكثر من أربعة أشهر لظهور كافة النتائج، حصد المراهن مبلغ 30,222 دولاراً. وفي منصة بولي ماركت Polymarket، خاطر متداول آخر بمبلغ 1.2 مليون دولار في رهان على فوز كندا على جنوب أفريقيا.
وظل الرهان محفوفاً بالمخاطر حتى سجل ستيفن أوستاكيو هدفاً في الدقيقة 92، محققاً بذلك ربحاً يقارب 1.085 مليون دولار.
توضح هذه الأمثلة جاذبية أسواق التوقعات، ولكنها تبرز مخاطرها أيضاً، فالأرباح الكبيرة تعتمد على أحداث غير مؤكدة قد تتغير في ثوانٍ. وتدرس الهيئات التنظيمية الأمريكية حالياً فرض قيود أكثر صرامة، في حين سحبت منصة كالشي Kalshi، المتخصصة في أسواق التوقعات، رهانات مثيرة للجدل كانت مرتبطة بالحربين في إيران وأوكرانيا.
أصبحت بطولة كأس العالم الآن محوراً يجمع بين حقوق البث الإعلامي، والسياحة، والعمالة، والتكنولوجيا، والاستثمار، والمراهنات على نطاق غير مسبوق. ورغم أن الحدث الأبرز يظل داخل أرضية الملعب، إلا أن الجانب الاقتصادي يحيط بكل ركلة كرة؛ فبينما قد يتحمل المراهنون الأثرياء خسائر فادحة، لا يملك المشجعون العاديون القدرة على ذلك. لذا، لا تراهن أبداً بمبلغ يفوق قدرتك المالية على تحمل خسارته.



