د. طارق عاشور
في شباط 2022 تبخر نحو 300 مليار دولار من احتياطي روسيا بقرار سياسي لا باضطراب في السوق، واخرجت سبعة من مصارفها من نظام سويفت فهوى الروبل اكثر من 30 في المئة في اسابيع. لم تكن تلك مجرد عقوبة، بل لحظة انكشف فيها سر لم ييلتفت اليه العالم لاكثر من نصف قرن؛ ان النظام المالي العالمي يقوم على ثلاثة اعمدة لا رابع لها، الدولار الورقي الذي فك ارتباطه بالذهب عام 1971، والاحتياطي الفيدرالي بوصفه مصرف العالم المركزي، وسويفت بوصفه الشريان الذي تنطق عبره اموال الكوكب. ومنذ ان تبين ان هذه الاعمدة ادوات تمسك بمفاتيحها يد واحدة، بدا العالم بهدوء يبني مخارجه.
وما يجري اعمق من تبديل لاعبين؛ انه تغير في طبيعة المال نفسه. فالنقد ينتقل من ورقة حاملة لقيمتها لا تستاذن احدا كي تنتقل، الى رمز رقمي لا يتحرك الا باذن، موصول بالشبكة قابل للتتبع وللبرمجة. وبهذا يبرز السؤال الاهم… لليس المهم كم تملك من المال بل من يملك الشريان الذي يجري فيه، لان مالك الشريان يملك صمام اغلاقه. وحين يقابل معروض ورقي يناهز 120 تريليون دولار بغطاء ذهبي لا تتجاوز قيمته 31 تريليونا، تظهر الحقيقة واضحة؛ ان معظم ما نسميه مالا ليس الا وعد لا قيمة لحركته ما لم ياذن بها ممسك المفاتيح.
ويغذي هذا التحول وقود مزدوج. فمن جهة بلغت الديون السيادية حدا خانقا، اذ قفز الدين العالمي وفق معهد التمويل الدولي الى نحو 348 تريليون دولار بما يقارب 305 في المئة من الناتج، فاشتدت شهية الدول لتتبع كل تدفق وتحصيل ضريبته قبل ان يفلت. ومن جهة اخرى نضجت التكنولوجيا حتى بات نحو 134 اقتصادا تمثل قرابة 98 في المئة من الناتج العالمي تطور عملات رقمية لبنوكها المركزية، منها 44 في تجربة فعلية. وهكذا التقت حاجة الدولة الى السيطرة مع قدرتها التقنية عليها، فولد النقد المبرمج.
وللنقد المبرمج وجهان لا ينفصلان. وجه مغر يعد بشمول من لا حساب لهم وبمدفوعات تسوى في ثوان بكلفة شبه معدومة، حتى ان تجربة بين هونغ كونغ وابو ظبي خفضت رسوم التحويل 98 في المئة. ووجه مقلق يحول البرمجة الى رقابة، فالنقد الذي يبرمج يمكن ان يقيد بسلع بعينها او ان يطفا عن شخص او دولة بضغطة زر. واليوان الرقمي خير شاهد؛ يفتح حسابه برقم هاتف فقط، لكنه يزرع الدولة في قلب كل معاملة. انه التحرر والقيد في اداة واحدة.
وبين هذين الوجهين يتشكل النظام البديل. فلان الدولار ما زال يمثل نحو نصف قيمة تحويلات سويفت يبقى شريانه حاكما، غير ان تسليحه عجل بمنافسين؛ ابرزهم شبكة ام بريدج التي تجمع الصين والامارات والسعودية وتسوي نحو 55 مليار دولار في خمس عشرة ثانية دون الحاجة الى سويفت ولا مصارف مراسلة، فيما قفزت حصة اليوان في تسويات الصين العابرة للحدود من قرابة الصفر عام 2010 الى ما يفوق 54 في المئة عام 2025، حتى اختصر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المشهد بقوله (اذا منعونا من الدولار فماذا نفعل). وفوق هذه الشرايين الجديدة توضع مرساة محايدة عمودها القوي هو الذهب، تتجلى في وحدة بريكس المغطاة 40 في المئة من الذهب، فالذهب وحده لا يملك احد اغلاق شريانه، محصن من العقوبات عابر للولايات القضائية، ولهذا اشترت المصارف المركزية ما يفوق 1100 طن في 2025 حتى تجاوزت حصته في الاحتياطيات الرسمية حصة سندات الخزانة الاميركية لاول مرة منذ 1996. والصين تختصر الاستراتيجية كلها؛ تغرق سوقها بسيولة تتجاوز التريليون يوان لتسند نظاما مثقلا بالدين، وتراكم الذهب وتشيد الشرايين البديلة في الخارج، سيولة في الداخل ومخرج من الدولار في آن.
حتى العمود الثاني للنظام القديم، الفيدرالي نفسه، لم يعد بمناى عن الزلزلة. فقبل يومين وتحديدا في 29 حزيران منعت المحكمة العليا الاميركية اقالة عضو من مجلسه، لكنها في القرار ذاته نزعت عن عشرات الهيئات المستقلة حصانتها من العزل، فلم يفلت الفيدرالي الا استثناء افرد له وحده لان تسييسه كان كفيلا بزلزلة الدولار. وهكذا برهن النظام، من حيث اراد تركيز السلطة، ان استقلال مصرفه المركزي ليس مبدأ مقدس بل امتياز مشروط ببقاء الثقة، وان تلك الثقة هي غطاؤه الاخير.
واذا كان العمالقة يتنازعون على من يملك الشريان وهم يملكون بدائل، فان فلسطين تعيش النتيجة في صورتها الانقى والاقسى، اذ لا تملك من الاعمدة الثلاثة عمودا واحدا؛ لا عملة تصدرها، ولا بنك مركزي كامل السيادة، ولا شريانا تتحكم بصمامه. وفائض الشيكل تجسيد حي لهذا العجز؛ يتداول في السوق نحو 57 مليار شيكل يدخله سنويا قرابة 32 مليار ولا يخرج منه سوى 16-18، فيتراكم فائض يزيد عن نحو 15 مليارا لا يجد مخرجا الا عبر صمام اسرائيلي يحصر شحنه بكوتا تبلغ 18 مليارا تضغط سلطة النقد لرفعها الى 30. اما العلاقة المصرفية المراسلة، شريان فلسطين التجاري الاهم الذي يمرر نحو 5 مليارات دولار من مدفوعات الواردات عبر بنكي هبوعليم وديسكونت، فقد حولها وزير المالية الاسرائيلي سموتريتش الى جرعات لا تتعدى اسبوعين، حتى صار قطعها قادرا ان يفعل بفلسطين ما فعله قطع سويفت بروسيا لكن بلا بديل تلوذ به، فيما بقي اعلان الاتحاد الاوروبي ان لا مبرر تقني لرفض تمديدها سنة كاملة حبرا على ورق.
وفي هذا الضوء نقرأ اندفاعة سلطة النقد نحو الرقمنة بوصفها النسخة المفروضة من الحرب العالمية على الكاش؛ فالقرار بقانون رقم 4 لسنة 2026 الذي يحظر الدفع النقدي فيما يتجاوز 30 الف شيكل ويثبت سقف الايداع الفردي عند 5 الاف، مع منصة دفع الكتروني وخطة شمول مالي تمتد الى 2028. لكن ما تختاره الدول الكبرى طوعا لاحكام قبضتها نُساق اليه في فلسطين قسرا لتصريف كاش يتعذر شحنه، وهو تخفيف لا علاج ما دام الصمام بيد الاحتلال، فيما يظل الالتزام بمعايير بازل درع صلب يبقي مصارفنا موثوقة امام العالم وقيدا يحيل الشيكل العاطل الى عبء ميت ومكلف في خزائن البنوك.
اما الى اين يسير العالم فالوجهة باتت واضحة المعالم؛ ليس موت الدولار بل نهاية احتكاره، ومولد نظام نقدي متعدد الاقطاب بثلاث طبقات، شريان دولاري ينكمش نصيبه، وكتل رقمية سيادية تتشابك، وذهب يعود مرساة للثقة. وفي هذا النظام تحل شرطية الشريان محل حرية الكاش، وتصير معارك العقد المقبل على من يملك الشرايين لا على اسعار الصرف، ويغدو الذهب ملاذ من لا يثق بصمام احد. وفي قلب هذه الخريطة تقف فلسطين امام خيار وجودي لا تقني؛ فاما ان تبقى رهينة شريان يملكه خصمها يجدده بالقطارة، واما ان تبني شريانا تملكه عبر شمول مالي يتسارع وعلاقات مراسلة تتنوع بعيدا عن البنوك الاسرائيلية وكفالة تدول فتنتقل من يد واحدة الى ايد كثيرة، مع رصيد من الذهب لا يحتاج اذن احد. فالدرس واحد من بكين الى القدس؛ في عصر النقد المبرمج لا تقاس القوة بما تملك من مال بل بمن يملك الشريان الذي يسري فيه مالك، ومن لا يملك شريانه يبقى ثراؤه رهن اصبع قد تطفئه في اي لحظة.




