منير قليبو
بعد ثلاث سنوات من الانقطاع عن زيارة الأردن، دعتني مناسبة عائلية سعيدة للعودة هذه الأيام. لم تكن العودة مؤجلة أبداً بسبب النفور من الأردن، فذلك مستحيل؛ فعمّان والسلط ومادبا والبتراء والعقلة عناوين لذكريات تبقى في القلب، وعلاقات الصداقة هناك تمتد لعقود امتدّت منذ أواخر ستينات القرن الفائت، بل كان التأجيل، بكل صراحة، بسبب التوجس من تجربة العبور عبر الجسر، التي كثيراً ما تحوّل فرحة الزيارة إلى مرارة لدى المغادرة.
عمّان كانت جميلة كما عهدتها، وربما أكثر. مطارها الدولي الحديث يبعث على الفخر، وشوارعها وأحيائها الحديثة وأسواقها التجارية وانفتاحها على العالم واحتضانها لملايين المغتربين وجسورها ومرافقها تشهد على نهضة تنموية وعمرانية تليق بدولة، بل مملكة متطورة. خلال أيامي القليلة، تنقلت بين اللويبدة والسلط ومادبا، وشاهدت وجهاً حضارياً يزيد الزائر تعلقاً بهذا البلد الطيب.
لكن عند العودة وفي لحظة التوجه إلى الأغوار، تبدأ الرحلة الحقيقية، طريق الالام، أو لنقل “اختبار الصبر”، مع اقتراب بوابة الجسر “جسر العودة”.
عند المعبر، يتغير المشهد تدريجياً. تتراكم السيارات، ويتوزع الركاب في ساحات عشوائية مفتوحة، وحقائبهم متناثرة تحت شمس الأغوار الحارقة، وتبدو الطرقات الداخلية ضيقة أمام هذا التدفق البشري اليومي. يطول الانتظار، وتتوالى البوابات، ولا يدري المسافر متى تتحرك الصفوف، فيتراوح بين الأمل واليأس.
ليست المشكلة في طول الانتظار وحده، فذلك قد يكون مفروضاً بإجراءات أمنية وسياسية معقدة خارجة عن إرادة الجانب الأردني، بل المشكلة تكمن في كيفية إدارة هذا الانتظار بحكمة وفن وذوق؛ ادارة معبر بكل ما يتطلبه التعبير من امر . فلا يكاد يجد المسافر مظلة تقيه حر الصيف، أو جريدة، او قصاصة ورق تحميه من الغبار وأشعة الشمس الحارقة والاستحالة تواجد مقعداً يستريح عليه، أو ممراً منظماً يحفظ حقه في الدور فالوضع ماراثوني الجميع في حالة تأهب وجري وكثيراً ما نرى كبار السن يجلسون على حقائبهم، والأمهات يحاولن تهدئة أطفالهن في حرٍّ لاهب، صراخ أطفال يدوي، بينما تفتقر الساحات إلى أبسط مرافق الخدمة الإنسانية للأسف: شوارع غير مصانة بلا ارصفة تراب ورمال متطاير، ازمة انزال مسافرين عشوائية، تسليم واستلام سيارات الأجرة وشرطيين يحاولون ضبط الأمور.
وعندما تفتح البوابات، تبدأ مرحلة جديدة من الازدحام، فوضى عارمة حيث يتسابق المسافرين ومعك امتعتهم الضخمة، تتزاحم الأيادي بالهواتف وأوراق الحجز (المنصة) على عدد محدود من الشبابيك ويصبح الصوت الأعلى أو الجرأة الأكبر هي معيار التقدم، النساء قبل الرجال يصرخن ويتذمرن ويتسابقن ومعهم الشباب المتجهمون بينما يضطر الملتزمون بالقوانين والنظام إلى الانتظار مراراً. كما تنتشر بعض الممارسات غير الرسمية، التي تؤثر سلباً على نزاهة المعبر وكرامة المسافر، وعلى رأسها محاولات القفز على الأدوار عن طريق عمال الجسر المتوزعين في انحاء المعبر
ولكي نضع النقاط على الحروف، فإن المسؤولية ليست محصورة بطرف واحد.
فالقيود والإجراءات الأمنية المعقدة التي تفرضها سلطات الاحتلال على حركة الفلسطينيين هي العائق الأكبر والأقدم، وتتحمل إسرائيل مسؤولية تاريخية كبيرة عن هذا الواقع المرهق. لكن في الوقت نفسه، يبقى هناك مجال واسع للتحسين على الجانب الأردني، في ما يتعلق بالتنظيم، والبنية التحتية، والخدمات المقدمة، وهي أمور يمكن معالجتها بقرارات إدارية واستثمارات محدودة، دون انتظار تسوية سياسية كبرى.
المسافر لا يطلب معجزة، ولا يطالب بتحويل الجسر إلى مطار عالمي بين ليلة وضحاها، بل يطلب ما هو أبسط وأحق:
· مظلات تغطي ساحات الانتظار.
· مياه شرب متوفرة، ومرافق صحية نظيفة.
· أماكن جلوس لكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة.
· ممرات وحواجز تنظم الأدوار وتمنع التدافع.
· تطبيق صارم للقانون على الجميع دون استثناء، لردع أي تجاوز مع توفير مراوح heavy load لتحريك الهواء وإبعاد الذباب
وهذه ليست رفاهية، بل هي أبسط معايير الكرامة الإنسانية وحقوق المسافر الأساسية.
المؤلم حقاً أن الأردن، الذي نجح في استقطاب العالم بمطاره الحديث وفنادقه الفاخرة وآثاره الخلابة، لا يزال ذلك المرفق الحيوي يعاني من إشكاليات كانت الإدارة الجيدة والمتابعة الحثيثة كفيلة بحل الكثير منها. فالجسر ليس مجرد أربعة كيلومترات من الإسفلت، بل هو بوابة الأردن الأولى، والانطباع الأول والأخير الذي يحمله مئات الآلاف من المسافرين سنوياً عن هذا الوطن.
إن تحسين هذا المعبر ليس قضية خدمية بحتة، بل هو استثمار في صورة الوطن، وصون لكرامة ضيوفه وعابرينه، وتكريس لمبدأ أن الأردن العظيم يستحق مدخلاً يليق بحجمه ومكانته.
أكتب هذه الكلمات بمحبة خالصة للأردن، لا بنيّة التجريح أو الإساءة. بل أكتبها لأنني أريد أن أزور الأردن أكثر، لا أقل. وأريد أن تبقى ذكرياتي مع هذه البلاد الطيبة مرتبطة بلقاء الأحبة ودفء الضيافة، لا بقلق الانتظار وإرهاق الترحال.
فالأردن الذي نحبه ونعرفه، يستحق بحق بوابةً تعكس جمال مدنه، وكرم أهله، وروحه الأبية.
تجنبت الحديث عن الـ VIP فهو فصل آخر بحد ذاته.




