«بلومبرغ»
كثفت الصين إجراءاتها لحماية دورها باعتبارها مصنع العالم، في وقت تسعى فيه أمريكا وحلفاؤها إلى نقل التصنيع إلى مواقع أقرب إلى أسواقهم المحلية.
تستهدف القواعد الجديدة الجهود الأجنبية الرامية إلى تحويل سلاسل الإمداد العالمية بعيداً عن الموردين الصينيين، إضافة إلى المساعي الهادفة إلى تقييد وصول الصين إلى المواد والتكنولوجيا الرئيسية.
بموجب هذه القواعد، تستطيع السلطات التحقيق في الإجراءات التي تعتبرها تمييزية وضارة بأمن سلاسل الإمداد في البلاد، وفرض عقوبات عليها.
تبني هذه الإجراءات الأخيرة على الأدوات القانونية الحالية التي تملكها الصين للرد على التهديدات الخارجية مثل العقوبات.
كما أثارت مخاوف من أن ممارسة الأعمال داخل ثاني أكبر اقتصاد في العالم أو التعامل معه قد تصبح أكثر خطورة بالنسبة للشركات متعددة الجنسيات.
زادت هذه التغييرات من حدة التوترات قبيل اجتماع مقرر بين الرئيس الصيني شي جين بينج ونظيره الأمريكي دونالد ترمب في منتصف مايو المقبل، حيث يُتوقع أن يحاولا تمديد الهدنة التجارية الهشة بين أمريكا والصين.
تزايدت الأجواء تشاؤماً مع تعثر أمريكا في إنهاء حربها مع إيران، وطرحها ما يعرف بالعقوبات والرسوم الجمركية الثانوية التي تستهدف الشركاء التجاريين لإيران، ومن بينهم الصين التي تُعدّ أكبر مشتر لنفط إيران.
ما الهدف من القواعد الجديدة ؟
تركز إحدى مجموعات اللوائح، التي دخلت حيز التنفيذ في نهاية مارس الماضي، على حماية القطاعات الحيوية للأمن القومي والاقتصادي للصين، إلى جانب تعزيز دورها المحوري في سلاسل الإمداد العالمية.
منحت هذه اللوائح الوكالات الحكومية صلاحية فتح تحقيقات واتخاذ إجراءات انتقامية إذا تبنت دولة أو منطقة أو شركة دولية تدابير تعتبرها بكين تمييزية ضد الصين وتشكل تهديداً لأمن سلاسل الإمداد.
المجموعة الأخرى من القواعد، التي طُبقت مطلع أبريل الحالي، فتهدف إلى مواجهة ما تصفه الحكومة الصينية بالاختصاص القضائي العابر للحدود غير الملائم الذي تمارسه الدول الأجنبية.
تقوم الفكرة على أن دولاً أخرى تفرض إجراءات مثل العقوبات وضوابط التصدير ومتطلبات الإفصاح عن البيانات خارج حدودها، بما قد يعرقل عمل الشركات الصينية.
في كلتا الحالتين، يمكن فرض العقوبات ليس فقط على المؤسسات بل أيضاً على الأفراد. تشمل العقوبات قيوداً على الواردات والصادرات والاستثمار داخل الصين وغرامات ومصادرة أصول وإلغاء تأشيرات وقيوداً على قدرة الأفراد على مغادرة البلاد.
ما أسباب صدور هذه اللوائح الجديدة في هذا التوقيت ؟
جرى تقديم القواعد الجديدة باعتبارها أصبحت أكثر ضرورة في ظل التوترات مع أمريكا بشأن قضايا مثل حرب إيران وقناة بنما، وفقاً لحساب “يويوان تانتيان” المرتبط بهيئة البث الرسمية الصينية.
أشار الحساب إلى تحذير وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت من أن البنوك الصينية قد تواجه عقوبات أميركية بسبب معاملات مرتبطة بإيران، معتبراً أن ذلك يجسد كيف يمكن أن تتحول الشركات الصينية إلى ضحية جانبية للصراعات الدولية.
قال “يويوان تانتيان” إن اللوائح الجديدة تهدف أيضاً إلى حماية المصالح الصينية في الخارج، مشيراً إلى وضع شركة “سي كيه هاتشيسون هولدينغز”.
فقد وجدت المجموعة ومقرها هونغ كونغ، والتي كانت شركتها التابعة تدير ميناءين في قناة بنما لما يقرب من 3 عقود، نفسها وسط معركة غير مباشرة بعدما زعم ترمب أن الصين تسيطر على الممر المائي.
كانت حكومة بنما قد استولت على موانئ الشركة في بنما خلال فبراير الماضي، بينما تعثّر اتفاق بيع موانئها غير الصينية لأكثر من عام. قال الحساب إن القواعد الجديدة ستتيح للسلطات فتح تحقيقات في قضايا مشابهة لقضية “سي كيه هاتشيسون”.
كما يعكس توقيت هذه القواعد خلفية أوسع من تصاعد النزعة الحمائية في الغرب. في الوقت الذي تسعى فيه أمريكا وأوروبا إلى تعزيز صناعاتهما المحلية، تفرضان قيوداً تجارية على الصين وتحققان فيما إذا كانت تمارس ممارسات تجارية غير عادلة.
وما زالت الصادرات تمثل محركاً رئيسياً للاقتصاد الصيني، في وقت تكافح فيه الحكومة لتعزيز الاستهلاك المحلي.
حتى الآن، تحدت الشحنات الخارجية الضغوط المعاكسة مثل الرسوم الجمركية الأمريكية، ما دفع الفائض التجاري للصين إلى مستوى قياسي بلغ 1.2 تريليون دولار خلال 2025.
ماذا تعني القواعد الجديدة للشركات الدولية التي تمارس أعمالا بالصين ؟
قد تجد الشركات وموظفوها أنفسهم عالقين بين قوانين دول مختلفة. قالت شركة المحاماة “مورغان لويس”: “الشركات قد تواجه تعارضاً قانونياً مباشراً، بحيث قد يؤدي الامتثال للقوانين الأميركية أو الأوروبية بحد ذاته إلى مخاطر تتعلق بإنفاذ القوانين في الصين”.
كما أشارت الشركة إلى أن اللوائح لا تقتصر على الالتزام بإجراءات الحكومات الأجنبية، بل إن حتى القرارات التجارية الروتينية التي يُنظر إليها على أنها تقوّض سلاسل الإمداد الصينية قد تتعرض للتدقيق.
قالت غرفة تجارة الاتحاد الأوروبي في الصين، وهي جماعة ضغط تمثل مجتمع الأعمال، إن غياب الوضوح بشأن ما يُعدّ تهديداً فعلياً يعني أن “عدداً من القرارات التجارية المشروعة قد يُفسر على هذا الأساس”. يعني الغموض في صياغة القواعد أن السلطات الصينية تمتلك هامشاً واسعاً لتحديد ما هو مسموح وما هو محظور.
قد تخضع حتى عملية جمع بيانات سلاسل الإمداد داخل الصين للتدقيق بسبب احتمال انتهاك القواعد. يشمل ذلك جهود الشركات لتقييم أثرها البيئي أو مدى تعرضها لمخاطر العمل القسري، سواء في إطار عمليات التدقيق الداخلية الروتينية، أو عمليات الإفصاح الطوعية للمستثمرين، أو الامتثال لمتطلبات مثل “توجيه الفحص النافي للجهالة لاستدامة الشركات” الصادر عن الاتحاد الأوروبي.
كيف تبني القواعد الجديدة على إجراءات الصين المضادة الحالية ؟
تقدم القواعد آليات جديدة عدة، من بينها تصنيف يُعرف باسم “قائمة الكيانات الخبيثة”، ويستهدف الجهات التي “تروج أو تشارك في” تنفيذ إجراءات أجنبية عابرة للحدود تعتبرها الصين غير ملائمة. على نطاق أوسع، ترفع هذه القواعد ما كان عبارة عن مجموعة متفرقة من الأدوات والإجراءات المضادة المؤقتة إلى إطار قانوني متكامل.
على مدى سنوات، وسّعت الصين أدواتها للرد على العقوبات الغربية ومحاولات تقييد وصولها إلى التكنولوجيا المتقدمة مثل أشباه الموصلات ومعدات تصنيع الرقائق الإلكترونية.
أبرز القوانين واللوائح التي جرى استحداثها خلال السنوات الأخيرة لحماية المصالح الصينية وسلاسل الإمداد
أما قائمة الكيانات غير الموثوقة، التي دخلت حيز التنفيذ في 2020، فهي تضم شركات تعتبرها الصين مقوضة لأمنها القومي ومضرة بمصالح الشركات الصينية. يمكن أن تواجه الشركات المدرجة في القائمة قيوداً تشمل حظر الاستيراد والتصدير، إضافة إلى قيود على السفر.
كما تسمح القواعد التي أُدخلت في 2021 للحكومة بمنع الشركات الصينية من الامتثال للعقوبات الأجنبية التي ترى أنها تقيّد بشكل غير مبرر الأعمال التجارية مع دول أخرى.
وجرى تعزيز هاتين المجموعتين من اللوائح عبر قانون مكافحة العقوبات الأجنبية، الذي رسّخ السلطة القانونية للصين في فرض إجراءات مضادة.
أطلقت الصين أيضاً ضوابط تصدير خاصة بها على السلع ذات الاستخدامين المدني والعسكري، كما استغلت هيمنتها على مواد حيوية مثل المعادن الأرضية النادرة، عبر تقييد الصادرات رداً على الحرب التجارية التي شنها ترمب.




