كتب رئيس التحرير: طلعت العلوي
مع نهاية الحرب الاقليمية (على الاقل بمشهدها الثاني) وبعد 40 يوما من الحرب الكاشفة، وبعد كشف هشاشة النظام العالمي والاقتصاد العالمي، في تجربة استثنائية ارتدت على عجالة لتطال كل دول العالم دون استثناء.
فقد تباينت المواقف، حتى اوروبا التي اعلنت تمردها وخلع ثوب الوصايا الامريكية عنها، لتعلن عن موقفها المستقل والذي ساهم بكل تاكيد في الوصول الى وقف للحرب او وقف مؤقت بعد انتهاء الجولة الاولى ل 11 يوما في حزيران 2025، وجولتها الثانية التي وضعت اوزارها بعد 40 يوم من الحرب العسكرية اقليمية والحرب الاقتصادية عالميا.
اذ وضعت امريكا العالم في وضع “شَطَطًا”، وغدت جل دول العالم تقول لامير البيت الابيض وحاشيته “إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ”.
تجربة اظهرت تباين في المواقف ما بين هش ومتين، ورث وسمين. ومن هنا ظهرت سلطنة عمان كلاعب دبلوماسي وسياسي معتدل في قلب أزمات الشرق الأوسط. في وقت تهيمن فيه الخطابات العسكرية على المشهد، فقد نجحت مسقط في أن تكون قناة حوار هادئ وفعّال بين أطراف الصراع، مما قلّص من احتمالات انزلاق الحرب إلى مواجهة أوسع وأعمق، ومثير للانتباه.
النهج العُماني: ما بين التوازن والثقة
تاريخيًا، اتبعت عمان سياسة خارجية معتدلة ومرتكزة على الحوار، بعيدًا عن التحالفات الصارمة التي تميز بعض دول الخليج. هذا النهج جعلها موضع ثقة لدى طهران وواشنطن على حد سواء، إذ لم تُعتبر جزءًا من التحالفات الإقليمية المتصارعة، بل وسيطًا محايدًا.
في شباط 2026، قبل اندلاع الحرب بأيام، استضافت مسقط جولات تفاوضية بين ممثلين عن إيران والولايات المتحدة، وكانت هذه المحادثات تُعدّ من أكثر المسارات جدية في محاولة التوصل إلى حل دبلوماسي قبل التصعيد العسكري.
هذه الثقة المتراكمة ليست وليدة اللحظة، بل نتاج عقود من الوساطة العُمانية في قضايا إقليمية كبرى، من مفاوضات النووي الإيراني السابقة إلى جهودها في تهدئة التوترات بين الرياض وطهران، في عدد من المناسبات.
دبلوماسية في زمن الحرب
مع اندلاع الحرب، انحسرت محاولات الوساطة الدولية المباشرة، لكن سلطنة عمان حافظت على قناة اتصال هادئة بين الطرفين. وزير الخارجية العُماني، كرر التأكيد على أهمية استمرار الحوار كسبيل لتخفيف التوتر وتهدئة الصراع، معتبرًا أن الحلول العسكرية لن تجلب الاستقرار لا للمنطقة او العالم.
حتى في ظل استمرار الحرب وتصاعد التوتر العالمي، لم تتخلى عمان عن هذا الدور. بل حاولت دفع الأطراف إلى التوصل إلى وقف إطلاق نار ولو مؤقت، وهو ما ظهر في اتفاق هدنة بين واشنطن وطهران أعلن فجر هذا اليوم.
لماذا نجحت عمان؟
النجاح النسبي لسياسة عمان في هذا السياق يعود إلى عوامل رئيسية: فعمان ليست طرفًا في الصراع، ولا تتبع تحالفات سياسية معقدة في المنطقة، ما يجعلها مقبولة لدى أطراف النزاع، وهذا ما عودتنا عليه القيادة العمانية. كما ان سنوات من الوساطة في ملفات حساسة جعلت من مسقط منصة يمكن لاي طرف اللجوء إليها دون فقدان ماء الوجه، انما بمل سلاسة، خاصة ان السياسة العمانية تعكس سجية الشعب العماني نفسه. اذ لا انسى زيارتي اليتيمة للسلطنة في عام 2012، وذلك الشعور الذي اعتراني بعد رصد هذا الانسجام والتصالح مع المصالح، وثقة الشعب بقيادته التي يعكسها من خلال سلوكه وسجيته. حافظت عمان على استقرارها الداخلي، على الرغم من ما تعرضت له، ما عزّز مصداقيتها كوسيط لا يسعى إلى استغلال الصراع لمصالحه الخاصة، انما مصالح الامة والانسانية.
دبلوماسية عمان لم تقتصر على الجانب السياسي فقط، بل كان لها انعكاس غير مباشر على الاقتصاد العالمي. بوصفها قناة للحوار، ساعدت في تهدئة بعض مخاوف الأسواق التي كانت تتجه نحو ارتفاع أسعار النفط والتأمين على النقل البحري مع كل تصعيد عسكري في الخليج. تلك الارتفاعات التي وصلت الى حدود كارثية وتسببت في ضائقة عالمية.
استمرار جهود الوساطة خفّف من احتمالات تعطيل طويل الأمد لمضيق هرمز — أحد أهم ممرات النفط في العالم — وهو ما كان من شأنه أن يزيد من أزمة الطاقة العالمية تعقيدًا.
في عالم يشهد صراعات إقليمية متداخلة، أثبتت عمان أن السياسة الهادئة والحوار ليست خيارًا ضعيفًا، بل أداة فعّالة يمكن أن تفتح نوافذ أمل حتى في أسوأ الظروف الاقليمية ان و العالمية.
لقد نجحت مسقط في أن تبقى صوتًا معتدلاً يدعو إلى الحلول السلمية، وهو ما جعلها معول خير في مواجهة التوترات الأميركية-الإيرانية، وركنًا دبلوماسيًا يمكن أن يحدّ من اتساع دائرة الأزمة السياسية والاقتصادية التي تهز العالم اليوم.
لم تتحدث عُمان بلغتين خلال هذه التجربة الاستثانية، ولم تقس الشرعية بمكيالين، ولم تسمح للحرب الأولى أن تبرر الحرب الثانية. رفضت العدوان على إيران لأنه عدوان، ورفضت العدوان على دول الخليج والدول العربية للسبب نفسه. وهذا في جوهره أعلى درجات الواقعية السياسية التي تعكس موقفا بالغ الحكمة والحنكة والانتماء للامة.




