اسماعيل الريماوي
في خطابه الأول الموجّه إلى الشعب الأمريكي، لم يقدّم دونالد ترامب قراءةً بقدر ما قدّم روايةً يريد فرضها على الواقع، رواية تُلبس اللحظة ثوب الانتصار قبل أن تنضج شروطه، وتُسابق النتائج قبل أن تتشكل ملامحها، بدا الخطاب وكأنه محاولة لإعادة تعريف مسار الحرب لا وفق معطيات الميدان، بل وفق مقتضيات السياسة الداخلية، حيث تتحول اللغة إلى أداة تعبئة، ويغدو الإعلان عن “الإنجاز” بديلاً عن تحقيقه.
ترامب، الذي لطالما عُرف بنرجسيته وغطرسته وبتقلّبه الحاد، أعاد إنتاج هذه السمة في خطابه؛ فهو من جهة يتحدث عن استمرار المفاوضات، ومن جهة أخرى يلوّح بتصعيد عسكري واسع، محدداً إطاراً زمنياً لا يتجاوز أسبوعين إلى ثلاثة لإنهاء الحرب أو حسمها، هذه الازدواجية ليست مجرد تناقض لفظي، بل تعبير عن استراتيجية تقوم على إدارة الوقت أكثر من إدارة الصراع، حيث يتم استخدام التهديد بالقوة كوسيلة ضغط، فيما تُترك الأبواب مواربة أمام المسارات السياسية.
غير أن هذا الخطاب، في عمقه، لا يمكن فصله عن السياق الإسرائيلي الذي يضغط باتجاه إطالة أمد الحرب، فالمقترحات التي يلمّح إليها ترامب، والسقف الزمني الذي يتحدث عنه، يعكسان إلى حد بعيد الرؤية الإسرائيلية التي ترى أن الوقت لا يزال يعمل لصالحها، وأن استمرار العمليات العسكرية يمنحها فرصة لتحقيق أهداف لم تكتمل بعد، من هنا لا يبدو ترامب في موقع المبادر بقدر ما يظهر كمن يتبنى سردية جاهزة، ويسعى إلى تسويقها داخلياً على أنها خيار أمريكي خالص.
لكن الأهم في هذا الخطاب أنه يكشف عن عجزٍ واضح في تقديم أي إنجاز ملموس للرأي العام الأمريكي، خصوصاً في ظل تنامي المعارضة للحرب مع إيران، فترامب، الذي يدرك حجم القلق داخل المجتمع الأمريكي من الانزلاق إلى صراع مفتوح ومكلف ولا ناقة لامريكيين فيه ولا جمل ، لم يجد ما يقدمه سوى خطابٍ مشحون بالوعود والتهديدات، دون أن يسندها بنتائج حقيقية على الأرض، لم يكن هناك انتصار يمكن عرضه، ولا اختراق سياسي يمكن البناء عليه، بل مجرد محاولة لاحتواء غضب داخلي متصاعد عبر لغة القوة واستدعاء صورة “الحسم القريب”.
هذا الفراغ في الإنجاز يفسر إلى حد كبير استعجال إعلان النصر، ومحاولة رسم نهاية زمنية قريبة للحرب، وكأن الخطاب موجّه بالدرجة الأولى لشراء الوقت داخلياً، وامتصاص حالة الرفض الشعبي، لا لتقديم رؤية استراتيجية متماسكة، فبدلاً من طمأنة الشارع الأمريكي، بدا ترامب وكأنه يناور بين ضغوط الداخل وحسابات الخارج، دون أن يمتلك القدرة على الحسم في أي منهما.
اللافت أيضاً أن تحديد مهلة زمنية قصيرة لحسم الحرب يحمل في طياته مخاطرة كبيرة، إذ إن الحروب، خصوصاً ذات الطابع الإقليمي، لا تخضع لمنطق الجداول الزمنية بقدر ما تتأثر بتوازنات معقدة ومتغيرة، وعليه فإن هذا السقف الزمني قد يكون موجهاً للاستهلاك الداخلي، في محاولة لطمأنة الرأي العام الأمريكي وإظهار السيطرة على مسار الأحداث، أكثر من كونه تعبيراً عن تقدير واقعي لإمكانيات الحسم.
في المحصلة، يبدو خطاب ترامب أقرب إلى محاولة لشراء الوقت منه إلى إعلان استراتيجية واضحة ، هو خطاب يخلط بين التهديد والتفاوض، بين التصعيد والتهدئة، وبين الواقعية السياسية والرغبة في تسجيل نقاط سريعة، لكنه في جوهره، يكشف عن أزمة في تعريف النصر ذاته؛ هل هو نصر يُقاس بالنتائج الفعلية على الأرض، أم بالصورة التي يتم تسويقها للجمهور؟
ما بين هذه التناقضات، تبقى الحقيقة الأبرز أن الحرب لم تقل كلمتها الأخيرة بعد، وأن محاولة إعلان نهايتها قبل أوانها لا تغيّر من مسارها بقدر ما تعكس قلقاً سياسياً عميقاً من تداعياتها، وفي هذا السياق، لم يكن خطاب ترامب سوى تعبير عن هذا القلق، وعنواناً لمرحلة عنوانها الأوضح: عجز عن الإنجاز، ولجوء إلى الخطاب، بانتظار واقعٍ لم يتشكل بعد.




