بعد شهر على الحرب: الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يواجه مأزقًا سياسيًا متصاعدًا بسبب الحرب الإقليمية مع إيران، معتبرًا أن الإدارة الأمريكية انتقلت سريعًا من “نشوة الحسم” إلى واقع معقد من التصعيد غير المحسوب، في ظل تزايد الضغوط الداخلية والاحتجاجات الشعبية والارتدادات الاقتصادية داخل الولايات المتحدة وخارجها.
خاص – الرقيب
أكد المختص في الشأن الأمريكي الصحفي محمد القاسم أن التقديرات التي روّجت لها الإدارة الأمريكية في الساعات الأولى من الحرب، والتي أوحت بإمكانية حسمها خلال وقت قصير، تهاوت أمام اتساع رقعة المواجهة وفقدان السيطرة على تداعياتها السياسية والعسكرية والاقتصادية.
وأوضح القاسم، في حديث إذاعي عبر الرقيب، أن الرئيس الأمريكي ترامب يتصرف ضمن حالة من التناقض السياسي الواضح، إذ يجمع بين الحديث عن التفاوض ومنح إيران “مهلًا زمنية”، وبين المزيد من الحشد العسكري في الخليج والمحيطات، ما يعكس – بحسب تعبيره – غياب رؤية ثابتة للحل، بل اتجاهاً نحو إطالة أمد الحرب وتوسيعها.
وأضاف أن نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس ارتكب، وفق وصفه، “خطأً سياسيًا كبيرًا” بعد حديثه عن إنجاز المهمة العسكرية بسرعة، في وقت لا تزال فيه المعركة مفتوحة والتداعيات تتصاعد، مشيرًا إلى أن مثل هذه التصريحات قد تضر بمستقبله السياسي، خاصة في ظل طرح اسمه داخل الحزب الجمهوري كأحد الوجوه المحتملة لما بعد ترامب.
“ترامب لا يتراجع بسهولة”
ورأى القاسم أن أزمة ترامب ليست فقط سياسية بل شخصية أيضًا، معتبرًا أن الرئيس الأمريكي كلما شعر بأنه في مأزق، ازداد عنادًا وتمسكًا بالمواقف الخاطئة، بدلًا من التراجع عنها. وقال إن هذا النمط قد يدفعه إلى مزيد من التصعيد بدلًا من البحث عن مخرج حقيقي، وهو ما يجعل الحرب مرشحة للتحول إلى “مستنقع شبيه بفيتنام” بالنسبة له.
وأشار إلى أن ترامب – بحسب تقارير صحفية أمريكية – لا يولي اهتمامًا كافيًا للتقارير الاستخباراتية اليومية، وهو ما ينعكس على قراراته، في وقت تُدار فيه واحدة من أخطر الأزمات الدولية خلال السنوات الأخيرة.
تداعيات اقتصادية داخل الولايات المتحدة
وبيّن القاسم أن المواطن الأمريكي بدأ يلمس آثار الحرب مباشرة على حياته اليومية، من خلال ارتفاع أسعار الوقود والطاقة، وتزايد تكاليف المعيشة، وتراجع الإحساس بالأمن الاقتصادي، موضحًا أن هذه المؤشرات تشكل ضغطًا كبيرًا على الإدارة الأمريكية.
وأضاف أن الغلاء في الولايات المتحدة ما زال قائمًا رغم خطاب ترامب الذي يحاول تصوير الأوضاع على أنها تحت السيطرة، لافتًا إلى أن تأثيرات الأزمة طالت حتى أسعار العقارات، والتمويل العقاري، وتكاليف الزراعة، والأمن الغذائي، وهي ملفات حساسة جدًا بالنسبة للناخب الأمريكي.
“حرب نتنياهو” داخل الخطاب الأمريكي
وأكد القاسم أن الانتقادات داخل الولايات المتحدة لم تعد مقتصرة على الإعلام أو المعارضة الديمقراطية، بل بدأت تظهر أيضًا داخل الحزب الجمهوري، حيث يتزايد التساؤل حول أهداف الحرب الحقيقية، ومن الذي دفع واشنطن نحو هذا المسار.
وقال إن جزءًا متزايدًا من الخطاب السياسي والإعلامي الأمريكي بات يصف ما يجري بأنه “حرب نتنياهو وليست حرب ترامب”، في إشارة إلى الاعتقاد المتنامي بأن إسرائيل دفعت الولايات المتحدة إلى مواجهة لم تحقق الأهداف التي وُضعت لها في البداية، وعلى رأسها إسقاط النظام الإيراني أو إنهاء المشروع النووي بشكل كامل.
تبدل الأهداف الأمريكية والإسرائيلية
وأوضح القاسم أن الأهداف المعلنة للحرب تغيّرت بشكل كبير خلال أسابيع قليلة، فبعد أن كان الحديث في البداية عن تغيير النظام في إيران وإنهاء المشروع النووي بالكامل، أصبح الخطاب لاحقًا أكثر تواضعًا، وتمحور حول ضبط ممرات الطاقة ومضيق هرمز واحتواء التداعيات.
واعتبر أن هذا التبدل السريع في سقف الأهداف يعكس فشلًا في تحقيق الحسم العسكري والسياسي، ويمنح إيران فرصة لتقديم نفسها على أنها صمدت أمام أقوى قوة عسكرية وسياسية في العالم، إذا ما خرجت من هذه الحرب دون انهيار داخلي أو تغيير جذري في بنية النظام.
اهتزاز صورة الولايات المتحدة عالميًا
وفي قراءته للبعد الدولي، قال القاسم إن الحرب ألحقت ضررًا واضحًا بصورة الولايات المتحدة العسكرية والسياسية والاستخباراتية، موضحًا أن ما جرى كشف عن محدودية القدرة الأمريكية على فرض نتائج حاسمة رغم التفوق العسكري الهائل.
وأضاف أن خصوم واشنطن، وعلى رأسهم روسيا والصين، يراقبون هذا المشهد باعتباره نقطة ضعف استراتيجية، خاصة في ظل تقارير تتحدث عن دعم روسي استخباراتي غير مباشر لإيران، إلى جانب التباين الأوروبي الواضح في التعاطي مع الأزمة، رغم التحالف التقليدي مع واشنطن.
سيناريوهات الخروج من الأزمة
ورأى القاسم أن الخروج من الحرب لن يكون سهلاً، لكنه قد يمر عبر اتفاق جزئي أو صفقة مؤقتة تتيح وقف التصعيد لفترة زمنية محددة، من دون أن تحقق الولايات المتحدة أو إسرائيل ما وصفه بـ”النصر المطلق”.
وأشار إلى أن مثل هذا السيناريو قد يمنح ترامب فرصة لمحاولة تسويق الأمر داخليًا على أنه إنجاز سياسي، لكنه شدد على أن إيران ستكون الطرف الأقوى معنويًا وسياسيًا إذا خرجت من المواجهة مع بقاء النظام والحرس الثوري واستمرار البنية الأساسية للدولة.
استحقاقات انتخابية وضغط الشارع
وفي ختام حديثه، حذر القاسم من أن استمرار الحرب لشهر إضافي دون نتائج حاسمة قد يؤدي إلى كلفة سياسية باهظة على ترامب ونتنياهو معًا، مشيرًا إلى أن الشارع الأمريكي والإسرائيلي بدأ يطرح أسئلة أكثر وضوحًا حول جدوى الحرب وتكاليفها.
وأضاف أن الاحتجاجات في الولايات المتحدة مرشحة للتصاعد، خاصة مع اقتراب الانتخابات النصفية الأمريكية، موضحًا أن أي خسارة جمهورية كبيرة في نوفمبر قد تدفع ترامب إلى شلل سياسي داخلي يحد من قدرته على تمرير التشريعات أو الادعاء بتحقيق إنجازات كبرى في ما تبقى من ولايته.



