%12 من تجارة النفط…!
خاص – الرقيب
مع استمرار الحرب على ايران للشهر الثاني، على عكس التوقعات والمعلن عنه، تتجه أنظار الأسواق العالمية نحو مضيق باب المندب، أحد أخطر نقاط الاختناق في حركة التجارة والطاقة، وسط مخاوف متزايدة من سيناريو إغلاقه وما قد يحمله ذلك من تداعيات اقتصادية فورية وعميقة ستضع اسعار النفط على صفيح ساخن، لن تستطيع تصريحات ترامب تبريده.
اذ تشير التقديرات والمخاوف إلى أن مجرد الإعلان عن إغلاق المضيق—حتى قبل تنفيذه ميدانياً—كفيل بإشعال الأسواق خلال ساعات، حيث يُتوقع أن تقفز أسعار النفط سريعاً نتيجة الذعر والمضاربات، مع إمكانية وصولها إلى حدود 130 دولاراً للبرميل خلال أيام، وقد ترتفع إلى 200 دولار إذا طال أمد التوتر، مع تسجيل قفزات مؤقتة قد تلامس 250 دولاراً في ذروة التصعيد.
وتستند هذه المخاوف إلى أرقام تعكس الأهمية الاستثنائية لهذا الممر البحري، إذ يمر عبر باب المندب يومياً نحو 8.8 مليون برميل من النفط، كما يمثل ما بين 10% إلى 12% من تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً، إضافة إلى كونه ممراً لنحو 10% من التجارة البحرية العالمية. هذه الأرقام تجعل أي اضطراب فيه بمثابة صدمة مزدوجة تضرب قطاعي الطاقة والتجارة في آن واحد، خاصة أنه يشكل حلقة وصل رئيسية بين آسيا وأوروبا عبر البحر الأحمر وقناة السويس. يعد المضيق جزءاً أساسياً من أمن الطاقة العالمي، خاصة مع نقل تدفقات النفط السعودية والخليجية عبره من ميناء ينبع، لتجنب مضيق هرمز.
ويمر عبر المضيق، الذي يبلغ عرضه كاملا حوالي 30 كيلومترا، حوالي 20 الف سفينة تجارية سنويا تشمل 12% من تجارة النفط المنقولة.

ومع تصاعد المخاطر، من المتوقع أن تشهد تكاليف التأمين والشحن البحري ارتفاعاً حاداً، ما سيدفع شركات النقل إلى تحويل مساراتها نحو رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا، وهو ما يعني إضافة ما بين 10 إلى 15 يوماً على زمن الرحلات، وارتفاعاً كبيراً في تكاليف الوقود والتشغيل. وقد أظهرت تجارب سابقة أن التوترات في هذه المنطقة أدت إلى تراجع حركة نقل النفط عبر المضيق بأكثر من 50% خلال فترات قصيرة، ما يعكس سرعة تأثر الأسواق بأي تهديد أمني.
هذا التحول في خطوط الشحن لا يقتصر تأثيره على شركات النقل، بل يمتد إلى سلاسل الإمداد العالمية، حيث يؤدي إلى تأخير وصول البضائع بين آسيا وأوروبا، وارتفاع أسعار السلع الأساسية، وزيادة الضغوط التضخمية، خاصة في الاقتصادات الأوروبية التي تعتمد بشكل كبير على هذا المسار الحيوي. كما أن ارتفاع تكاليف الطاقة سينعكس مباشرة على تكاليف الإنتاج، ما يوسع دائرة التأثير لتشمل مختلف القطاعات الاقتصادية.
وفي السيناريو الأكثر خطورة، إذا تزامن أي إغلاق أو تصعيد في باب المندب مع توترات في مضيق هرمز، فإن العالم قد يواجه صدمة غير مسبوقة، إذ ستتأثر تجارة النفط العالمية، ما يهدد بحدوث اختلال حاد في الإمدادات وارتفاعات قياسية في الأسعار، إلى جانب اضطراب واسع في التجارة الدولية.

بين احتمالات التصعيد ومحاولات الاحتواء، يبقى العالم أمام معادلة دقيقة، تتداخل فيها السياسة بالأمن والاقتصاد، فيما يظل أي خلل في هذا المضيق كفيلاً بإشعال موجة جديدة من التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة على مستوى العالم.




