تحليل وأي نت
منذ بداية العقد الماضي، ادّعى باحثون في الغرب أن الحرس الثوري الإيراني هم الحاكمون الفعليون في إيران. وقد أدى اغتيال علي خامنئي إلى تعزيز مكانة هذا التنظيم وإلى تقديرات تفيد بأن شخصية من داخله ستتولى الحكم. غير أن الأنظمة التي تهيمن عليها قوى مسلحة تكون أقل حصانة أمام التحديات الاقتصادية-المدنية، وتميل أكثر إلى الانقسامات – خاصة في أوقات الأزمات. هذا القصور يعزز المعارضة الشعبية، التي تنجح في كثير من الأحيان في إحداث تغيير سياسي في نهاية المطاف.
في خضم احتجاجات الطلاب التي اندلعت في جامعة طهران في يوليو 1999، عقب قرار السلطات إغلاق صحيفة إصلاحية، وقّع عشرات الضباط الكبار في الحرس الثوري رسالة إلى الرئيس آنذاك محمد خاتمي. في الرسالة، حذروا الرئيس من أن صبرهم قد نفد، وطالبوه باتخاذ خطوات فورية وحازمة لقمع المظاهرات، بل وهددوا بالتدخل إذا لم يقم بـ”واجبه الإسلامي والوطني”. ومن بين الموقعين كان محمد باقر قاليباف، الذي كان حينها قائد سلاح الجو في الحرس الثوري ويشغل اليوم منصب رئيس البرلمان، وكذلك محمد باقر ذو القدر، الذي عُيّن هذا الأسبوع خلفًا لـ علي لاريجاني أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي.
قاليباف، المولود عام 1961 في مدينة مشهد، هو طيار سابق وحاصل على دكتوراه في الجغرافيا السياسية. يُعد اليوم الرجل الأقوى في الساحة الداخلية الإيرانية، ومن المتوقع أن يقود المفاوضات مع نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس. شغل عدة مناصب أمنية رفيعة، منها قائد قوى الأمن الداخلي، كما تولى رئاسة بلدية طهران بين عامي 2005 و2017. وقد ترشح عدة مرات للانتخابات الرئاسية دون أن ينجح.
وكما هو الحال مع قاليباف، نشأ أيضًا ذو القدر (72 عامًا) من داخل الحرس الثوري. ويُعد من أبرز قادة التنظيم خلال الحرب العراقية الإيرانية، حيث قاد مقر “رمضان” المسؤول عن نشاط إيران في العراق أثناء الحرب. لاحقًا شغل منصب رئيس أركان الحرس الثوري ونائب قائد التنظيم. وبعد تقاعده، تولى عدة مناصب في وزارة الداخلية والجهاز القضائي، إلى أن عُيّن في السنوات الأخيرة أمينًا لـ”مجلس تشخيص مصلحة النظام”. ويُعتبر مقرّبًا جدًا من رئيس جهاز الاستخبارات السابق في الحرس الثوري حسين طائب.
انضم طائب إلى الحرس الثوري في أوائل الثمانينيات، وخدم نحو عقد في وزارة الاستخبارات، ثم عاد إلى الحرس في أواخر التسعينيات. وفي عام 2008 عُيّن ذو القدر قائدًا لقوات الباسيج، ولعب دورًا مركزيًا في قمع احتجاجات 2009. وبعد فترة قصيرة أصبح طائب رئيس جهاز استخبارات الحرس الثوري. وحتى بعد إقالته في صيف 2022 – على ما يبدو بسبب فشله في إحباط عمليات للموساد داخل إيران وتنفيذ هجمات ضد سياح إسرائيليين في الخارج – واصل لعب دور مركزي في مكتب المرشد، ويُعد من الشخصيات المحورية في الدائرة المقربة من الزعيم الجديد لإيران مجتبى خامنئي.
⸻
لم يعد مجرد جهاز عسكري-أمني
خلال العقد الأول بعد الثورة، لم يكن الحرس الثوري لاعبًا سياسيًا مهمًا. لكن لاحقًا تعززت مكانته بشكل كبير، وأصبح لاعبًا مركزيًا ليس فقط في المنظومة الأمنية-العسكرية، بل أيضًا في النظامين السياسي والاقتصادي. القائد السابق للحرس، محمد علي جعفري، وصف التنظيم بأنه ليس عسكريًا فحسب، بل سياسيًا وأيديولوجيًا أيضًا.
على مر السنوات، دعم الحرس مرشحين محافظين موالين لقيم الثورة الإسلامية في الانتخابات. ومنذ وفاة روح الله الخميني عام 1989، شهدت النخبة السياسية الإيرانية تغيرات، أبرزها زيادة حضور خريجي الحرس الثوري في السياسة. وكان خامنئي شخصية مركزية في تحويل الحرس إلى لاعب رئيسي.
في الوقت ذاته، وسّع الحرس الثوري نشاطه الاقتصادي، خصوصًا عبر ذراعه الهندسية التي أُنشئت بعد الحرب العراقية الإيرانية للمساعدة في إعادة الإعمار. وقد أوكلت إليها مئات المشاريع الكبرى في مجالات النفط والغاز والنقل والسدود والمياه والاتصالات، وهي تشغّل اليوم آلاف الشركات والمقاولين.
⸻
نحو نظام عسكري؟
تعزيز مكانة الحرس كان أساس التقديرات حول احتمال حدوث تحولات سياسية في إيران، أبرزها الانتقال إلى نموذج حكم جديد قائم على “رجل قوي” من المؤسسة العسكرية، خاصة من صفوف الحرس، يعتمد على خبرته العسكرية لإدارة الدولة.
ومع ذلك، طالما بقي خامنئي في السلطة، كانت العلاقة بينه وبين الحرس علاقة تكاملية: هو احتاجهم لضمان استقرار النظام، وهم احتاجوه كمصدر شرعية وضامن لمصالحهم. كما استفادوا من البقاء بعيدين نسبيًا عن الحكم المباشر والتدخل عند الحاجة فقط.
لكن مع غيابه وصعود نجله مجتبى – الذي رُجّح تعيينه بدعم من الحرس خلف الكواليس – يبدو أن الطريق قد تم تمهيده لتحول إيران إلى أوتوقراطية عسكرية بقيادة الحرس الثوري.
⸻
هل سيُفضّلون مصالحهم؟
من الصعب تقدير سياسة القيادة الجديدة. فمن جهة، ينتمي كثير من قادة الحرس – خاصة من قدامى الحرب مع العراق – إلى التيار المحافظ المتشدد، ويحملون ذاكرة جماعية عن “الظلم” الدولي لإيران، ما يدفعهم لتبني سياسات خارجية متشددة تجاه الغرب.
هذه الرؤية قد تؤثر على ملفات رئيسية مثل البرنامج النووي والصاروخي، والطموحات الإقليمية، والعلاقات مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
لكن من جهة أخرى، ينتمي أعضاء الحرس إلى خلفيات متنوعة، وقد يكون الحكم العسكري أكثر براغماتية، خاصة إذا أصبح ملتزمًا بالمصالح الاقتصادية والتنظيمية أكثر من الأيديولوجيا. كما أن إدارة الدولة قد تفرض عليهم تقديم تنازلات.
في هذا السياق، قدّر الاقتصادي سعيد ليلاز أن إيران قد تشهد تحولًا سياسيًا يقوده زعيم جديد من داخل النظام، مع إصلاحات وتحسين العلاقات مع الغرب. كما أشار المؤرخ عبد الله شهبازي إلى صعود ضباط الحرس السابقين إلى قمة السلطة.
وأوضح شهبازي أن هذه النخبة، رغم مواقفها المحافظة، راكمت ثروات كبيرة، وبالتالي فإن مصلحتها الأساسية هي الحفاظ على هذه المصالح، أكثر من الالتزام بأيديولوجيا متطرفة. وقد يسعى بعضهم إلى التفاوض مع الولايات المتحدة بقيادة قاليباف لضمان الاستقرار الاقتصادي والسياسي.
⸻
بحث يمنح أملاً للغرب
تشير دراسات حول التحول الديمقراطي في أمريكا اللاتينية إلى أن الأنظمة العسكرية أقل استقرارًا من غيرها، وأكثر عرضة للأزمات والانقسامات، ما قد يدفعها في النهاية لنقل السلطة إلى مؤسسات مدنية أو يتيح للمعارضة إسقاطها.
حتى يتحقق هذا التحول، ستواجه القيادة الإيرانية الجديدة خيارًا استراتيجيًا:
إما التوجه نحو التفاوض والتسوية مع الولايات المتحدة، ورفع العقوبات والتركيز على الأزمات الداخلية،
أو التصعيد، وإعادة بناء القدرات العسكرية، وربما حتى السعي لامتلاك سلاح نووي.
⸻
د. راز زيمت
مدير برنامج إيران والمحور الشيعي في معهد دراسات الأمن القومي
مجموعة شؤون اسرائيلية




