الطبقة الوسطى الأمريكية تبيع بلازما الدم لمواجهة غلاء المعيشة
من الوظيفة إلى “الإبرة”: كيف أصبحت البلازما مصدر دخل للأمريكيين
في 2024 صدّرت الولايات المتحدة بلازما بقيمة
6.2 مليار دولار
من الفقر إلى الضواحي: تجارة البلازما تغزو الطبقة الوسطى و
600 دولار شهرياً مقابل دم الإنسان..!
215 ألف شخص يتبرعون ببلازما الدم يومياً في الولايات المتحدة
New York Times/ الرقيب
ترجمة ورصد الرقيب: في تحول لافت داخل الاقتصاد الأميركي، لم يعد بيع بلازما الدم مقتصراً على الفئات الأكثر فقراً، بل امتد ليشمل شريحة متزايدة من أبناء الطبقة الوسطى الذين يجدون أنفسهم تحت ضغط متصاعد بسبب ارتفاع تكاليف السكن والغذاء والرعاية الصحية، مقابل أجور لا تواكب هذا الارتفاع.
هذا الواقع يتجلى في مراكز جمع البلازما التي بدأت بالانتشار في الضواحي والمناطق ذات الدخل المتوسط، بعد أن كانت تقليدياً متركزة في الأحياء الفقيرة.
“وظيفة ثانية” بلا عقد
جوزيف بريسينيو، 59 عاماً، يصل إلى مركز “CSL Plasma” في ضواحي هيوستن قرابة الساعة الثامنة صباحاً، في وقت تكون فيه ذروة المتبرعين قد بدأت بالانخفاض.
يعمل بريسينيو بدوام كامل مشغّلاً لرافعة في شركة للتخلص من النفايات، حيث يشغل منصب مشرف ويتقاضى نحو 50 ألف دولار سنوياً.
لكن هذا الدخل لم يعد كافياً.
في يومين من عطلته الأسبوعية، يجلس لمدة ساعة تقريباً على كرسي مريح، بينما تُسحب منه بلازما الدم مقابل نحو 70 دولاراً في كل زيارة.
وبمتوسط زيارتين أسبوعياً، يمكن أن يصل دخله الإضافي إلى نحو 600 دولار شهرياً.
يقول:
“هذا المبلغ قد يغطي الوقود، أو مشتريات البقالة، أو يُدّخر للطوارئ… في هذا الاقتصاد، كل شيء مكلف”.
بدأ بريسينيو التبرع قبل عام، بعد أن عجز عن إيجاد عمل إضافي يتناسب مع جدول عمله، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة.
ظاهرة تتوسع بالأرقام
يُقدّر أن نحو 215 ألف شخص يتبرعون ببلازما الدم يومياً في الولايات المتحدة.
والولايات المتحدة وحدها توفر حوالي 70% من إجمالي البلازما في العالم، كونها من الدول القليلة التي تسمح بالدفع مقابل التبرع — وهي ممارسة لا تشجعها منظمة الصحة العالمية.
في عام 2024، صدّرت الولايات المتحدة بلازما بقيمة 6.2 مليار دولار، ما يعكس حجم هذه الصناعة التي تحولت إلى قطاع ضخم متعدد المليارات.
كما شهد عدد مراكز جمع البلازما نمواً كبيراً، إذ تضاعف أكثر من مرتين بين عامي 2014 و2021، ليصل اليوم إلى نحو 1200 مركز.
وخلال العام الماضي، أنتج المتبرعون في الولايات المتحدة 62.5 مليون لتر من البلازما — وهو أعلى مستوى مسجل — بزيادة 8% عن العام السابق.
انتقال إلى الضواحي
تشير الدراسات إلى تحول جغرافي واضح في مواقع مراكز البلازما.
ففي حين كانت 44% من المراكز القديمة تقع في مناطق منخفضة الدخل، فإن المراكز الجديدة باتت أقل تمركزاً في هذه المناطق (32%)، وأكثر انتشاراً في أحياء الطبقة المتوسطة.
كما أظهرت التحليلات افتتاح أكثر من 100 مركز جديد في ضواحٍ ومناطق أكثر ثراءً منذ عام 2021.
في ضاحية ويبستر بولاية تكساس، افتُتح مركزان عام 2022 في منطقة تعكس نمط الحياة في الضواحي الأميركية: أحدهما داخل مجمع تجاري بجوار نادٍ رياضي، والآخر بالقرب من بحيرة صناعية وفرع لشركة استثمارية.
في هذه المواقع، يقف أشخاص من خلفيات مهنية مختلفة في طوابير صباحية، من بينهم:
موظف في قطاع التكنولوجيا يسعى لشراء منزل
معلمة تعليم خاص تغطي تكاليف الرعاية الصحية
ممرضة ليلية تواجه مصاريف رعاية الأطفال
معظمهم يتبرعون مرتين أسبوعياً — وهو الحد الأقصى المسموح به — مقابل نحو 70 دولاراً لكل زيارة.
أزمة دخل لا فقر فقط
لا ينتمي هؤلاء إلى الفئات الأشد فقراً، بل يمثلون شريحة عالقة بين دخل ثابت ونفقات متزايدة.
يقول خبراء إن هذه الظاهرة تعكس مشكلة أعمق في سوق العمل، حيث لم تعد الأجور كافية لتغطية تكاليف الحياة.
توضح أستاذة التمويل إميلي غالاغر:
“إذا كان الناس بحاجة لهذا النوع من الدخل الإضافي، فهذا يعني أن هناك وظائف كثيرة لا تدفع أجوراً كافية للعيش”.
“شبكة أمان ظلّية”
لطالما وُجهت انتقادات لمراكز البلازما بسبب تمركزها في الأحياء الفقيرة واتهامها باستغلال المحتاجين.
لكن مع توسعها الحالي، بدأ يُنظر إليها كأداة اقتصادية بديلة.
تشير دراسات إلى أن افتتاح مركز بلازما في منطقة ما قد يؤدي إلى انخفاض الطلب على القروض السريعة مرتفعة الفائدة بنسبة تقارب 20% خلال السنوات الثلاث الأولى.
لهذا، يصف بعض الباحثين هذه المراكز بأنها “شبكة أمان ظلّية”، إلى جانب وظائف الاقتصاد المؤقت مثل أوبر وليفت.
عندما لا يكفي التقاعد
أرنولد ويليامز، 66 عاماً، مثال آخر على هذا التحول.
يحصل على 1800 دولار شهرياً من الضمان الاجتماعي، بينما تعمل زوجته، لكنهما يعيشان في شقة بإيجار 2100 دولار، ما يجعل الوضع المالي ضاغطاً.
بدأ التبرع بالبلازما قبل عام، ويتقاضى نحو 60 دولاراً في كل زيارة، والتي يجريها مرتين أسبوعياً.
يقول:
“في الفترات بين الدفعات، هذا يساعد كثيراً”.
لكن التبرع ليس بلا ثمن، إذ يشعر أحياناً بالإرهاق بعد كل جلسة.
بين الحاجة والوصمة
رغم انتشار الظاهرة، لا يزال البعض يشعر بالحرج من بيع بلازما الدم، ويعتبره أمراً غير مريح اجتماعياً.
كثير من المتبرعين يفضلون عدم الكشف عن هويتهم، خوفاً من الوصمة.
لكن هذا الشعور بدأ يتغير تدريجياً.
ويندي بيكر، 54 عاماً، بدأت التبرع مرتين أسبوعياً بعد إعلان على فيسبوك وعد بـ500 دولار للمتبرعين الجدد.
ورغم أن أسرتها تعيش بشكل مريح، إلا أن ارتفاع أقساط التأمين الصحي دفعها للتفكير في دخل إضافي، حتى لو كان بسيطاً، لتغطية نفقات مثل هدايا عيد الميلاد.
تقول ببساطة:
“لمَ لا؟”.
صناعة تبحث عن الربحية
تُستخدم البلازما في تصنيع أدوية حيوية لعلاج نقص المناعة، وأمراض الكبد، واضطرابات النزيف، إضافة إلى حالات الحروق.
ومع تزايد الطلب، تسعى الشركات إلى تحسين الكفاءة وخفض التكاليف.
فقد أعلنت إحدى الشركات إغلاق 22 مركزاً (حوالي 7% من مراكزها في الولايات المتحدة) الأقل إنتاجية، مع توجه للحفاظ على الأرباح عبر تحسين العمليات وخفض تدريجي في مدفوعات المتبرعين.
خيار مؤقت… أم واقع دائم؟
بالنسبة لكثيرين، لا يُنظر إلى بيع البلازما كحل دائم، بل كوسيلة مؤقتة لسد الفجوات المالية.
يقول بريسينيو:
“كنت أتمنى ألا أضطر للقيام بذلك من أجل المال… لكن في الوقت الحالي، هذا ما يساعدني على الاستمرار”.
هذه العبارة تختصر واقعاً اقتصادياً جديداً في الولايات المتحدة، حيث لم يعد العمل بدوام كامل كافياً لضمان الاستقرار، وأصبح “بيع جزء من الجسد” خياراً اقتصادياً لبعض أبناء الطبقة المتوسطة.




