جمال زقوت – ورقة سياسات
تدخل الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران مرحلة مختلفة عمّا خُطِّط لها في بدايتها. فبعد أسابيع من الضربات المكثفة التي استهدفت بنى تحتية حساسة وقيادات عسكرية بارزة، يتضح أن الرهان على تحقيق حسم سريع لم يكن واقعياً. وعلى الرغم من التفوق العسكري الواضح لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل، فإن هذه القوة لم تُترجم إلى نتائج استراتيجية حاسمة، بل دفعت الصراع نحو نمط أكثر تعقيداً، أقرب إلى حرب استنزاف مفتوحة تتداخل فيها الأدوات العسكرية مع آليات الرد غير المتناظر.
في هذا السياق، أظهرت إيران قدرة ملحوظة على امتصاص الصدمة الأولية، ليس فقط عبر الحفاظ على تماسك بنيتها المؤسسية، بل أيضاً من خلال إعادة إنتاج أدوات الرد بمرونة عالية. وقد تجلّى ذلك في توسيع نطاق المواجهة بشكل مدروس، سواء عبر استهداف العمق الإسرائيلي أو عبر تهديد المصالح والقواعد الأميركية في المنطقة، فضلاً عن استخدام أدوات ضغط غير مباشرة تمس شرايين الاقتصاد العالمي. هذا التحول لا يعكس فقط قدرة على الصمود، بل يشير إلى انتقال واعٍ من موقع الدفاع إلى إدارة صراع طويل الأمد بكلفة موزعة على الخصوم.
غير أن هذا المسار يكشف في المقابل عن فجوة متزايدة في تعريف الأهداف بين واشنطن وتل أبيب. فبينما يبدو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu يدفع باتجاه إطالة أمد الحرب وتوسيعها سعياً إلى إعادة تشكيل البيئة الإقليمية بصورة جذرية، يظهر أن الرئيس الأميركي Donald Trump أكثر ميلاً إلى تحقيق إنجاز سريع يمكن تسويقه داخلياً، دون الانخراط في حرب مفتوحة قد تستنزف الموارد الأميركية وتزيد من كلفة القيادة الدولية. هذا التباين لا يقتصر على اختلاف في التكتيك، بل يعكس خللاً بنيوياً في إدارة الحرب، حيث تغيب “نظرية النصر” المشتركة، ويحل محلها مسار تصعيدي غير مضبوط الإيقاع.
أحد أبرز تجليات هذا الخلل يتمثل في العجز عن تأمين حرية الملاحة في Strait of Hormuz، الذي يشكل شرياناً حيوياً لتدفق الطاقة العالمية. فاستمرار التوتر في هذا الممر لا يهدد فقط استقرار أسواق الطاقة، بل يضع مصداقية الولايات المتحدة كضامن للأمن الدولي على المحك. كما أن محدودية الاستجابة الأوروبية، رغم محاولات الحشد ضمن NATO، تعكس تراجعاً في استعداد الحلفاء للانخراط في مغامرات عسكرية مكلفة، وتكشف في الوقت ذاته عن حدود القدرة الأميركية على تعبئة النظام الدولي وفق أولوياتها.
في موازاة التصعيد الميداني، بدأت تبرز ملامح مسار تفاوضي غير مباشر، تعكسه الشروط التي يُنسب إلى إيران طرحها لوقف الحرب. هذه الشروط، التي تتجاوز مجرد الدعوة إلى وقف إطلاق النار نحو المطالبة بوقف شامل ودائم يمتد إلى مختلف الساحات، بما فيها لبنان، وتتضمن انسحاباً إسرائيلياً، لا يمكن فهمها بوصفها مبادرة تهدئة تقليدية. بل هي في جوهرها محاولة لإعادة تعريف إطار الصراع ذاته، من خلال ربط الجبهات المختلفة ضمن معادلة إقليمية واحدة، وفرض قيود على حرية الحركة الإسرائيلية، وتحويل أي تهدئة محتملة إلى مدخل لإعادة ضبط قواعد الاشتباك على مستوى المنطقة بأكملها.
في المقابل، فإن مثل هذا الطرح لا يمكن أن يتحقق دون أثمان مقابلة. فمن المرجح أن يتطلب أي تقدم نحو تسوية التزاماً إيرانياً بضبط إيقاع التصعيد الإقليمي، والحد من استهداف المصالح الأميركية، وتوفير قدر من الاستقرار للممرات الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز. ومع ذلك، فإن فرص تحويل هذه الشروط إلى اتفاق فعلي لا تتوقف على مضمونها بقدر ما تتوقف على قابليتها لإعادة الصياغة ضمن تفاهمات مرنة، تسمح لواشنطن بإنهاء الحرب دون أن تبدو وكأنها قدمت تنازلات استراتيجية كبرى، وفي الوقت نفسه لا تضع إسرائيل أمام معادلة تُقيد حركتها بشكل جوهري. وبين هذين الاعتبارين المتناقضين، يتحدد أفق أي تسوية محتملة، بوصفها إطاراً مؤقتاً لإدارة الصراع، لا حلاً نهائياً له.
ضمن هذا المشهد، لا تبدو إيران في موقع المنتصر، لكنها بالتأكيد ليست في موقع المهزوم. فمزيج العوامل الجيوسياسية، والعمق الاستراتيجي، وشبكات النفوذ الإقليمي، يمنحها قدرة على الاستمرار في الصراع دون الانهيار. بل إن هذه الحرب قد تدفعها إلى تعميق اعتمادها على استراتيجيات الرد غير المباشر، وتوسيع استخدام أدوات “الإنكار المقبول”، بما يحول الصراع إلى حالة مزمنة يصعب حسمها عسكرياً.
أما على المستوى الدولي، فإن هذه الحرب تكشف عن اتجاهات أعمق تتجاوز حدود الإقليم. فالعجز الأميركي عن تحقيق حسم سريع، أو حتى فرض قواعد اشتباك مستقرة، يفتح المجال أمام قوى كبرى مثل China وRussia لتعزيز أدوارها، ليس من خلال المواجهة المباشرة، بل عبر توسيع حضورها الاقتصادي والدبلوماسي، واستثمار تراجع الثقة بقدرة الولايات المتحدة على إدارة النظام الدولي. هذا لا يعني بالضرورة نهاية وشيكة للهيمنة الأميركية، لكنه يشير بوضوح إلى انتقال تدريجي نحو نظام أكثر تعددية، ترتفع فيه كلفة استخدام القوة، وتتراجع فيه فعالية الحسم العسكري كأداة لإدارة الصراعات.
في المقابل، تواجه إسرائيل مفارقة استراتيجية لافتة. فبينما تواصل تعزيز تفوقها العسكري، تتعرض في الوقت ذاته لتآكل متزايد في شرعيتها الدولية، خاصة في ظل تداعيات الحروب الأخيرة في المنطقة. هذا التناقض بين القوة والشرعية قد يتحول، مع مرور الوقت، إلى قيد فعلي على قدرتها على المناورة، خصوصاً إذا استمر التحول في اتجاهات الرأي العام العالمي، واتسعت دوائر التشكيك في دورها كمصدر للاستقرار.
في ضوء هذه المعطيات، لا تبدو الحرب الجارية مجرد مواجهة عسكرية قابلة للحسم، بل أقرب إلى لحظة انتقالية يعاد فيها تشكيل قواعد الصراع على المستويين الإقليمي والدولي. فالمسألة لم تعد تتعلق بإمكانية تحقيق نصر نهائي، بقدر ما تتعلق بقدرة الأطراف المختلفة على إدارة التوازنات الجديدة دون الانزلاق إلى فوضى شاملة.
وعليه، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً لا يتمثل في نهاية حاسمة للحرب، بل في التوصل إلى صيغ مؤقتة لاحتوائها، تعيد رسم حدود الاشتباك دون أن تنهي جذور الصراع. وبين استمرار الاستنزاف وتصاعد الضغوط نحو التهدئة، تتبلور معادلة جديدة عنوانها إدارة الصراع بدلاً من حسمه، واحتواؤه بدلاً من إنهائه.
في هذه المعادلة، يصبح نجاح أي مسار سياسي مرهوناً بقدرة الولايات المتحدة على تحويل حاجتها إلى إنهاء الحرب إلى فرصة لإنتاج تسوية مرنة، وبمدى استعدادها لإدارة التباين مع إسرائيل التي قد ترى في أي تقييد لحركتها الاستراتيجية مساساً بجوهر تفوقها. كما يتوقف على مدى استعداد إيران لتحويل موقعها الصامد إلى مكسب تفاوضي دون الانزلاق إلى تصعيد مفرط قد يستدعي مواجهة أوسع.
في المحصلة، تشير هذه الحرب إلى أن المنطقة تتجه نحو مرحلة أكثر سيولة، حيث لا تُحسم الصراعات بقدر ما تُدار ضمن توازنات متحركة، ولا تُغلق الملفات بقدر ما يُعاد إنتاجها بأشكال مختلفة. وبين تسوية مؤقتة لا تعالج الأسباب، واستنزاف مفتوح يفاقم المخاطر، يبقى التحدي الأساسي هو منع هذا الصراع من التحول إلى فوضى إقليمية شاملة قد تتجاوز تداعياتها حدود المنطقة إلى النظام الدولي بأسره.




