العربي الجديد
ما هو موقف الصين من الضربات العسكرية الإيرانية في الخليج؟ والأهم، هل تُعدُّ الصين خياراً متاحاً لأمن الخليج مستقبلاً، خصوصاً بعد تذبذب الالتزامات الأمنية الأميركية؟ اندلاع حرب إقليمية تشمل إيران وإسرائيل ودول الخليج، كان السيناريو الأسوأ الذي لم تكن بكين تتمنّاه؛ فهي حربٌ تطاول جميع الأطراف الذين أبرمت معهم الصين اتفاقات شراكة استراتيجية شاملة في المنطقة، وفي مقدّمتهم: إيران، وإسرائيل، والسعودية، والإمارات. والأهم أنها حربٌ تنخرط فيها الولايات المتحدة مباشرةً بقيادة ترامب، الذي تتحسّب الصين دائماً لمواقفه المتقلّبة.
أصدرت بكين العام الماضي “ورقة بيضاء” حول الأمن القومي، وهي المرّة الأولى التي تنشر فيها الصين وثيقةً في هذا الخصوص، بعنوان “الأمن القومي الصيني في العصر الجديد،” تناولت فيها أقاليم عدّة، من ضمنها الشرق الأوسط. فبعد أن كان أمن الصين مرتبطاً تقليدياً بإقليمها الجغرافي المباشر، ربطت بكين في هذه الخطوة الجديدة بين أمنها القومي وأمن الإقليم.
اضطرار دول الخليج لتعزيز علاقاتها الأمنية مع بكين يبقى رهن رغبة الصين في التورّط في المنطقة
قدّمت الصين نفسها في هذه الوثيقة بصفتها “صانعة للسلام” في الشرق الأوسط، فجاء فيها: “سنظلّ دائماً من بناة السلام في الشرق الأوسط. ندعم دول الشرق الأوسط في توحيد صفوفها والتعاون لحلّ قضايا الأمن الإقليمي، وطرحنا مبادرةً من خمس نقاط لتحقيق الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، واقترحنا أربع مقترحات لبناء بنية أمنية جديدة في الشرق الأوسط، ويسرّنا المصالحة بين المملكة العربية السعودية وإيران، ونلتزم بتعزيز حلّ شامل وعادل ودائم للقضية الفلسطينية في أسرع وقت ممكن”. … ولكنّ بناء السلام وصنعه من منظور بكين، لا يعني انخراطاً صينياً مباشراً في تحقيقه، خاصّةً في منطقة الخليج. السياسة الخارجية الصينية لا تتبنّى مواقف عملية لحلّ الصراعات الإقليمية، وهذا ليس نقداً لسياستها، بقدر ما هو محاولة لوضع السياسة في سياقها الصحيح، للإجابة عن سؤال: أين الصين من الحروب الإقليمية، مثل حرب الإبادة على غزّة والحرب الراهنة بما فيها ضرب الخليج؟ بالنسبة إلى الصين، يمكن لدول الإقليم بالأساس تحقيق السلام الإقليمي، وليس من طريق الصين أو من أيّ طرف خارجي، ويكون دور الصين في إطار الدعم والتسهيل الثانوي، كما حدث في الملفّ السعودي الإيراني.
“أزيلوا القواعد”
ما يؤكّد هذه القراءة هو الموقف الصيني من الضربات العسكرية الإيرانية التي استهدفت القواعد الأميركية في المنطقة؛ إذ اتسم ردّ الفعل بالتباطؤ، فقد استغرقت بكين يومَين قبل أن تصدّر تصريحاً عاماً مقتضباً حول “السيادة”. وفي تعقيبها المتأخّر، قالت إنها: “تولي اهتماماً للمخاوف المشروعة لدول الخليج وتدعمها في حماية سيادتها وأمنها الوطني”، بيد أن هذا الموقف لا يعكس درجة الحذر الصيني المعتاد فحسب، بل يجيب عن تساؤلات طرحت بعد الضربة العسكرية الإسرائيلية لقطر في سبتمبر/ أيلول 2025 عن إمكانية أن تكون الصين بديلاً لأمن للخليج.
ويفيد تصريح وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، في مكالمة أجراها مع نظيره العُماني بدر بن حمد البوسعيدي، قبل يومَين، بأن الصين لا تطرح نفسها بديلاً، بل أيضاً لن تجازف (حتى اللحظة على الأقلّ) بدخول منطقة أميركية خالصة، فقال: “امتداد الحرب لا يخدم المصالح الأساسية طويلة الأمد لدول الخليج. وتأمل الصين أن تُعزّز دول الخليج استقلالها وسيادتها، وأن تُعارض التدخّل الأجنبي، وأن تُنمّي علاقات حسن الجوار، وأن تُعزّز الوحدة والتعاون، وأن تُمسك بزمام مستقبلها ومصيرها”. وكلّ مفردة في هذا التصريح تحمل دلالات استراتيجية عميقة للعلاقات الخليجية الصينية؛ فمن خلال دعوة الدول إلى “الاستقلال السيادي” و”معارضة التدخّل الأجنبي”، تقدّم بكين دعوةً صريحة إلى تقليص النفوذ الأميركي، وخصوصاً العسكري، إن لم يكن السعي إلى إنهائه تماماً. ولذلك يختم وانغ يي قوله بعبارة “وأن تُمسك بزمام مستقبلها ومصيرها”. وبذلك، تحاول الصين تأكيد أن حالة عدم الاستقرار الإقليمي الراهنة نتيجة مباشرة لاعتماد دول الخليج على الولايات المتحدة أمنياً.
أمّا النقطة الثانية، والمحورية هنا، فهي أن الصين أظهرت بوضوح أنه ليس لديها نيّة لتقديم “مظلّات أمنية بديلة”. وهنا، وبكلّ واقعية سياسية وصراحة تامة، توضّح أيضاً أنها لن تتولّى دور الضامن الأمني للمنطقة، وهو موقف منسجم مع استراتيجيتها التي لا ترى نفسها “شرطياً” عالمياً. وبذلك، تضع بكين مسؤولية معالجة هذه التحدّيات على عاتق دول المنطقة نفسها، وهو في جوهره أمر إيجابي إذا ما دُفع باتجاه الاعتماد على الذات.
هيكلية الخطاب الصيني
لا تقرأ الصين ضرب الخليج فعلاً منعزلاً، بل ردّة فعل، ونتيجة مباشرة لسبب أصلي هو السياسة الأميركية. تكشف التصريحات الرسمية الصينية حول الضربات الإيرانية على الخليج نمطاً خطابياً منظّماً يقوم على إعادة تأطير المسؤولية عن التصعيد الإقليمي. ففي جميع الردود الصادرة عن المتحدّثة باسم وزارة الخارجية، ماو نينغ، تعتمد تسييس الأسباب قبل تقييم الأفعال؛ إذ تبدأ الإجابة دائماً بالإشارة إلى الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران بوصفها المسبب للأزمة. على سبيل المثال، قالت ماو: “أدّت الضربات العسكرية السافرة التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضدّ إيران إلى تصعيد التوتّرات الإقليمية وامتدادها إلى مناطق أخرى… وتؤمن الصين بضرورة الاحترام الكامل لسيادة دول الخليج وأمنها وسلامة أراضيها، وتدين أيَّ هجوم يستهدف المدنيين الأبرياء أو الأهداف غير العسكرية”. وفي موضع آخر، قالت: “تدعم الصين إيران في الدفاع عن سيادتها وأمنها وسلامة أراضيها وكرامتها الوطنية، وفي حماية حقوقها ومصالحها المشروعة والقانونية. وتولي الصين اهتماماً بالغاً بمخاوف دول الخليج المشروعة، وتدعمها في الحفاظ على سيادتها وأمنها”. وثمّة تأكيداتٌ مستمرّةٌ على لا قانونية الحرب برمّتها، إذ تقول نينغ: “إن الضربات الأميركية الإسرائيلية ضدّ إيران لا تحظى بتفويض من مجلس الأمن، وتُعدّ انتهاكاً للقانون الدولي. وتشعر الصين بقلق بالغ إزاء تداعيات هذا الصراع على مستوى المنطقة. وتؤمن الصين بضرورة احترام سيادة دول الخليج وأمنها ووحدة أراضيها احتراماً كاملاً”.
من خلال هذا الترتيب الهيكلي، تقول بكين لدول الخليج: إن التهديد الأمني ليس فعلاً إيرانياً منعزلاً، ولا يجب أن تنتظر دول الخليج من الصين موقفاً حازماً لإدانة إيران، بل هو نتيجة مباشرة للوجود العسكري الأميركي، ولاستهداف إيران من الأراضي الإقليمية. وتؤكّد في الوقت نفسه أن “الضربات العسكرية السافرة التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضدّ إيران أدّت إلى تصعيد التوتّرات وامتدادها”، مشدّدةً على أن تلك العمليات “لا تحظى بتفويض من مجلس الأمن وتُعدّ انتهاكاً للقانون الدولي”. بهذا الإطار الخطابي، تعيد الصين ترتيب تسلسل المسؤوليات؛ فهي لا تنفي خطورة الحرب على الخليج، لكنّها تُقدّم الفعل الإيراني ردّة فعل طبيعية على استخدام القواعد العسكرية الأميركية في الخليج لضرب أراضيها.
ترى بكين في الانكشاف الأمني للمنطقة فرصةً لإعادة تشكيل العلاقات الدولية – الإقليمية
واللافت هنا أيضاً، هو إدانة الصين لأيّ هجوم يستهدف المدنيين بصيغة عامة، من دون توجيه إدانة مباشرة أو تسمية الضربات الإيرانية. فالصين لن تدين إيران ما دامت الأخيرة في حالة اشتباك مع القواعد الأميركية. إن هذا الموقف يضع الكرة في الملعب الخليجي، مؤكّداً أن الاستمرار تحت المظلة الأميركية هو، من وجهة نظر بكين، السبب الرئيس للتوتر، وأنّ المخرج لا يكون بطلب موقف من الصين.
آسيا الوسطى نموذجاً
يفضي هذا الموقف الصيني إلى مسارَين محتملَين في مرحلة ما بعد الحرب؛ يتمثّل الأول في اضطرار دول الخليج لتعزيز علاقاتها الأمنية مع بكين، وهو مسار يبقى رهن رغبة الصين في التورّط (غير مطروحة حالياً)، ومدى استعداد العواصم الخليجية لاستبدال المظلة الأميركية. ومع ذلك، يبرز احتمال استراتيجي قد يدفع بكين إلى قبول الانخراط الأمني في الإقليم، وهو تصفير الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، كما حدث في آسيا الوسطى. فعندما شرعت الصين في توسيع نفوذها تجاه آسيا الوسطى عبر منظمة شنغهاي للتعاون، وضعت شرطاً ضمنياً يتمثّل في إنهاء القواعد العسكرية الأميركية، وهو ما تُرجم فعلياً في يوليو/ تموز 2005 خلال قمة أستانة في كازاخستان، إذ أصدرت المنظمة بياناً يطالب بتحديد موعد نهائي لسحب القوات الأجنبية. وقد جاء القبول الإقليمي لهذا التوجّه آنذاك مدفوعاً بـ”شعور متزايد بأنّ الوجود الأميركي بات مصدراً لعدم الاستقرار”، بحسب وصف الأكاديمية الأوزبكية سانوبار شيرماتوفا، وأدّى هذا الضغط إلى إخلاء قاعدة كارشي خان آباد (K2) في أوزبكستان في نهاية عام 2005، ولحقها إغلاق قاعدة ماناس في قيرغيزستان رسمياً عام 2014.
ويشير استحضار هذا النموذج في السياق الخليجي إلى أنّ الصين لا تقبل دور الضامن الأمني في بيئة يسيطر عليها النفوذ العسكري الأميركي؛ فبكين لا تسعى إلى مواجهة واشنطن عسكرياً بقدر ما تنتظر ظروفاً أمنية معقّدة، كما يحدث حالياً، تجعل من انسحاب الولايات المتحدة أو إخراجها ضرورة أمنية من وجهة نظر دول الإقليم نفسها. لا تطرد الصين القواعد بنفسها، بل تستغلّ الظروف الأمنية المتحوّلة والمركبة التي تعاني منها الدول في أوقات محدّدة، بجانب إغراءات قوّتها الاقتصادية، لتشجيع الدول على اتخاذ قرارات الإغلاق، وتوفّر لهم البديل الاستثماري لتقليل الاعتماد على المعونات العسكرية الأميركية، وهذا هو التفسير الأقرب إلى ما قاله وزير خارجيتها: “وتأمل الصين أن تُعزّز دول الخليج استقلالها وسيادتها، وأن تُعارض التدخل الأجنبي”.
السيناريو الثاني، أن موقف الصين المتحفظ إزاء أن تكون بديلاً أمنياً قد يدفع بعض دول الخليج إلى الابتعاد أكثر عن بكين، وتعزيز اعتمادها مجدّداً على معادلة الأمن مقابل النفط مع الولايات المتحدة. غير أن تحقّق هذا المسار يعتمد بدرجة كبيرة على المصالح الأميركية المتقلّبة؛ فمع تزايد سيطرة واشنطن على النفط الفنزويلي، قد يتراجع اعتمادها على نفط الخليج، وبالتالي تتقلص الحوافز التي تدفعها لتوفير الضمانات الأمنية، ما قد يترك الخليج في مواجهة فراغ أمني محتمل لا يبدو أن هناك قوة خارجية مستعدّة لملئه.
يتحقّق أمن الخليج المستدام حين يتحول من ملفّ يُناقش في عواصم الآخرين إلى مشروع يُصنع في العواصم الخليجية
مصلحة صينية؟
لا تبدو بكين منزعجة من حالة الانكشاف الأمني التي تعيشها المنطقة؛ بل ترى فيها فرصةً لإعادة تشكيل العلاقات الدولية – الإقليمية. موقف الصين يجمل رسالتَين: الأولى موجهة لحلفاء واشنطن، ومفادها أن المظلّة الأميركية قد فشلت فعلياً في الاختبار، وأن الولايات المتحدة التي علمت بوقوع الضربات آثرت المجازفة بأمن الخليج لصالح حماية إسرائيل. وأن القواعد العسكرية في الخليج ليست لحمايته. الثانية، تخصّ ميزان التنافس الدولي؛ إذ تسعى بكين إلى تعزيز قناعة مفادها بأنّ أميركا لا تحمي حلفاءها، وهي سردية تعزّز من جاذبية النموذج الصيني القائم على الشراكة الاقتصادية بدلاً من المظلّات الأمنية. وفي هذا السياق، تأتي الدعوات الصينية إلى ما تسمّيه “الاستقلال السيادي”، وإلى ضرورة الحدّ من “التدخّل الأجنبي”. فهذه الدعوة لا تعني تشجيع دول المنطقة على الاعتماد على الذات فحسب، بل تعكس أيضاً رؤيةً صينيةً أوسع لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية بعيداً من الهيمنة العسكرية الأميركية. وهو منطق سبق أن اتّبعته بكين في آسيا الوسطى.
تبقى الإشكالية الحقيقية، لا في الموقف الصيني بحدّ ذاته، فهو موقف متّسق مع واقعيتها السياسية، بل في قصور القراءات التي تحاول تغريب الصين، أي صبغها بالصبغة الغربية، وتوقّع قيامها بدور الشرطي البديل، أو الحليف. لقد كشفت الحروب الإقليمية منذ “7 أكتوبر” (2023) أنّ بكين لن تقدّم صكوكاً أمنية مجّانية، وأن دعوتها دول المنطقة إلى “الإمساك بزمام مصيرها”، يمكن أن تكون كلمة حقّ أريد فيها مصلحة صينية، ولكن، قد تكون الأهم للخليج العربي في الوقت ذاته. وعليه؛ فإنّ الخيار الصيني بالنسبة إلى الخليج لا ينبغي أن يكون مجرّد استبدال مظلّة أمنية بأخرى، بل يجب أن يكون حافزاً لبناء الذات الأمنية لدول المنطقة. فإذا كانت القوى الكبرى اليوم تعيد تعريف مصالحها بناءً على أولوياتها الذاتية، فإنّ أمن الخليج المستدام لن يتحقّق إلّا عندما يتحول من ملفّ يُناقش في عواصم الآخرين، إلى مشروع يُصنع في عواصم الخليج، وهذا الذي سيجعل عواصم الآخرين تأتي لنا، وخصوصاً بكين.





