الرقيب– بعد أكثر من أسبوعين من المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، بدأت الصورة الاقتصادية للحرب تتضح تدريجيًا. صحيح أن الحرب لم تتحول حتى الآن إلى صراع إقليمي شامل، لكن الأسواق العالمية تعيش ما يمكن تسميته مرحلة الخوف الطويل: حالة عدم يقين مزمنة تدفع المستثمرين والحكومات إلى إعادة حساباتهم الاقتصادية. فقد استجابت الأسواق لمخاطر الحرب منذ المساعدات الاولى، وبدأت التتائج تظهر من اليوم التالي الحرب.
فخلال الأيام الأولى للحرب، ارتفعت أسعار النفط بشكل ملحوظ مع المخاوف من تعطّل الإمدادات في الخليج. ورغم أن مضيق هرمز لم يُغلق، فإن مجرد احتمال تعطل الملاحة في أحد أهم شرايين الطاقة في العالم كان كافيًا لرفع الأسعار. تقديرات السوق تشير إلى أن أي تصعيد إضافي قد يدفع النفط إلى مستويات تقارب 150 دولار للبرميل، وهو مستوى كفيل بإعادة التضخم إلى الواجهة عالميًا.
لكن النفط ليس القصة الوحيدة. فالحرب أعادت أيضًا رفع تكاليف الشحن والتأمين البحري. شركات التأمين رفعت أقساط “مخاطر الحرب” للسفن التي تعبر الخليج بنسبة تراوحت بين 25% و50% في بعض الحالات. هذه الزيادة قد تبدو تقنية، لكنها تنتقل سريعًا إلى أسعار السلع، لأن كلفة النقل جزء أساسي من سلسلة الإمداد العالمية.
اقتصاديًا، الحرب جاءت في لحظة حساسة للاقتصاد العالمي. العالم لم يتعافَ بالكامل بعد من موجة التضخم التي أعقبت جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا. أي صدمة جديدة في أسعار الطاقة تعني ضغطًا إضافيًا على البنوك المركزية التي تحاول خفض التضخم دون خنق النمو الاقتصادي.
أما في الشرق الأوسط، فإن التأثير أكثر تعقيدًا. دول الخليج قد تستفيد ماليًا من ارتفاع أسعار النفط على المدى القصير، لكن استمرار التوتر العسكري يرفع المخاطر الأمنية ويزيد كلفة التأمين والاستثمار. المستثمرون عادة يفضلون الاستقرار، وأي منطقة تتحول إلى ساحة توتر طويل تفقد جزءًا من جاذبيتها الاستثمارية.
إيران نفسها تواجه ضغوطًا اقتصادية مزدوجة. فمن جهة، الحرب تزيد الضغوط على بنيتها الاقتصادية التي تعاني أصلًا من العقوبات، ومن جهة أخرى قد تدفعها إلى تعزيز اقتصاد الحرب، أي توجيه الموارد نحو الأمن والدفاع بدل التنمية. هذا النمط الاقتصادي، المعروف تاريخيًا في الدول التي تعيش صراعات طويلة، يؤدي غالبًا إلى تضخم داخلي وتراجع القدرة الشرائية.
لكن التأثير الأكثر حساسية قد يظهر في الدول الهشة اقتصاديًا، ومنها دول الشرق الأوسط غير النفطية. ارتفاع أسعار الطاقة والنقل يضغط مباشرة على أسعار الغذاء والسلع الأساسية. في اقتصاديات تعتمد على الاستيراد، مثل الاقتصاد الفلسطيني، تصبح أي زيادة في النفط أو الشحن عبئًا مباشرًا على المستهلك.
في الحالة الفلسطينية تحديدًا، تأتي هذه الحرب في وقت يعاني فيه الاقتصاد أصلًا من صدمة كبيرة بسبب الحرب على غزة والقيود في الضفة الغربية. أي ارتفاع جديد في أسعار الطاقة أو النقل سيضيف ضغطًا إضافيًا على سوق يعاني أصلًا من ضعف الطلب وتراجع الدخل.
بعد اكثر من أسبوعين من الحرب، يمكن القول إن الاقتصاد العالمي لم يدخل بعد مرحلة الازمة العالمية، لكنه بالتأكيد ليس بعيدا عنها.




