يبدو صباح هذا الإثنين وكأن النظام الدولي يقف على حافة مرحلة جديدة من الاضطراب العميق. فالتوترات العسكرية تتصاعد، وفورين بوليسي تتحدث عن استعادة الصين لتايوان هذا العام والأسواق المالية تهتز، وأسعار الطاقة تقفز بسرعة، بينما تتزايد التحذيرات من أن العالم قد يكون مقبلًا على أزمات سياسية واقتصادية كبرى تعيد إلى الأذهان سيناريوهات اسوء من ازمة عام 2008.
في شرق آسيا، بدأت الأسواق التي تفتح مبكرًا بسبب فارق التوقيت تعكس حالة القلق العالمي. فقد تبخرت تريليونات الدولارات من القيمة السوقية للأسهم، ما يعني أن مدخرات التقاعد لملايين الأشخاص حول العالم بدأت تتآكل في أيام قليلة. وتشير تقديرات إلى أن نحو سبعة تريليونات دولار اختفت من الأسواق العالمية خلال ثمانية أيام فقط. في كوريا الجنوبية انهار السوق بنسبة تقارب 8% ما أدى إلى تفعيل آليات وقف التداول، بينما سجلت اليابان تراجعًا بنحو 6%، وخسر مؤشر داو جونز أكثر من 1200 نقطة.
في الوقت نفسه، تتصاعد التوترات الجيوسياسية بشكل غير مسبوق. فالتقارير والتحليلات الاستراتيجية تحذر من احتمال تحرك الصين عسكريًا تجاه تايوان خلال هذا العام، وهو سيناريو قد يقلب موازين الاقتصاد العالمي نظرًا للموقع المركزي لتايوان في صناعة أشباه الموصلات وسلاسل التوريد العالمية.
لكن الشرارة الاقتصادية الأكثر خطورة تأتي من الشرق الأوسط. فالعدوان الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، وسط توقعات بأن تستمر الحرب لأسابيع وربما لفترة أطول بكثير. وما تبع ذلك من أغلاق إيران لمضيق هرمز، الممر الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية. هذه الخطوة وحدها كانت كفيلة بإحداث صدمة في أسواق الطاقة.
وبالفعل، قفز سعر النفط إلى أكثر من 111 دولارًا للبرميل، مع توقعات بأن يتجه سريعًا نحو 130 دولارًا، وربما يصل إلى 150 دولارًا إذا استمرت الأزمة. وعندما يرتفع النفط، لا يرتفع سعر الوقود فقط؛ بل ترتفع معه تكلفة كل شيء تقريبًا: الغذاء، النقل، الشحن، مواد البناء، وحتى السلع الأساسية.
هنا يبدأ التسلسل الاقتصادي المعروف الذي يذكر بأزمة 2008. فارتفاع أسعار الطاقة يقود إلى موجة تضخم جديدة. ومع عودة التضخم، تجد البنوك المركزية نفسها عاجزة عن خفض أسعار الفائدة وقد تضطر إلى رفعها من جديد.
وقد بدأت هذه التحولات بالفعل. ففي بريطانيا، انخفضت احتمالات خفض سعر الفائدة من قبل بنك إنجلترا من 80% إلى 29% خلال أسبوع واحد فقط. وإذا استمر التضخم في الصعود، فسيكون الخيار الوحيد أمام البنوك المركزية هو تشديد السياسة النقدية.
ارتفاع أسعار الفائدة يعني ارتفاع تكلفة الاقتراض، خصوصًا القروض العقارية. وقد تقفز معدلات الرهن العقاري إلى 7% أو 8% علما انها الان بحدود ال 6% في الولايات المتحدة. ومع ارتفاع الأقساط الشهرية، سيجد كثير من المقترضين أنفسهم غير قادرين على السداد.
عندما يحدث ذلك، يبدأ الضغط. المتعثرون يضطرون إلى بيع شركاتهم ومنازلهم بأي سعر لتجنب الإفلاس، ما يؤدي إلى زيادة العرض بشكل كبير وانخفاض الأسعار. وفي بعض الأسواق قد تنخفض قيم العقارات والشركات بنسبة 20% أو 30%، وربما تصل إلى 50% في الحالات الأكثر تضررًا.
وفي الوقت ذاته، يؤدي انهيار أسواق الأسهم إلى موجة تسريحات في القطاعات الحساسة مثل التكنولوجيا والتمويل والعقارات والبناء. فالشركات التي تخسر قيمتها السوقية تضطر إلى تقليص التكاليف، وغالبًا ما يبدأ ذلك بتقليص الوظائف.
وهكذا تتشكل الحلقة الكاملة للأزمة:
ارتفاع أسعار النفط يقود الى تضخم ثم رفع أسعار الفائدة يتلو ذلك انهيار الأسواق المالية وتسريحات العمال وانهيار السوق وشلله.
هذا التسلسل ليس مجرد احتمال نظري، بل نمط اقتصادي معروف شهد العالم نسخة منه خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008. واليوم، تبدو المؤشرات الأولى لهذا السيناريو وكأنها تتكرر خطوةً خطوة.
باختصار، قد يكون العالم على أعتاب كابوس اقتصادي عالمي جديد، يتشكل من مزيج خطير من الصراعات الجيوسياسية، واضطراب أسواق الطاقة، وهشاشة النظام المالي العالمي.
ومع ذلك، يبقى المفارقة المريرة أن الشعوب التي تعيش أصلًا في قلب الأزمات والحروب قد تنظر إلى هذه التحولات من زاوية مختلفة؛ فبالنسبة لمن يعيشون تحت ضغط دائم، او في خيام كما في غزة والسودان قد يبدو الخوف من الانهيار الاقتصادي العالمي ترفًا لا يشبه واقعهم اليومي. وكما يقول المثل الشعبي الفلسطيني: “الخايفين عليه قاعدين عليه.”
https://www.foreignaffairs.com/china/perfect-storm-taiwan-2026




