خاص – الرقيب: أكد الخبير الاقتصادي د. طارق عاشور، خلال مقابلة عبر إذاعة الرقيب، أن ردود فعل الأسواق العالمية على التصعيد العسكري الأخير كانت “صاروخية وغير مبررة اقتصادياً”، مشيراً إلى أن ما جرى يعكس هيمنة المضاربين على حركة الأسعار، لا قوانين العرض والطلب الحقيقية.
وأوضح عاشور أن أسعار الغاز ارتفعت بنسبة تراوحت بين 45% و50% فور اندلاع الأحداث، رغم أن الشحنات لم تنقطع فعلياً، ما يعكس – بحسب تعبيره – “استجابة متزامنة مع الحدث لا لاحقة له، تقودها التوقعات والمضاربات أكثر مما تقودها الوقائع”.
“الملاذ الآمن”… للمستثمر لا للمستهلك
توقف عاشور عند مصطلح “الملاذ الآمن”، معتبراً أنه يُستخدم غالباً لتوجيه سلوك المستثمرين الصغار نحو الذهب أو الدولار، بينما يختلف المفهوم جذرياً بالنسبة للمواطن العادي.
وقال:
“الملاذ الآمن للمستثمر شيء، وللمستهلك شيء آخر. بالنسبة للمواطن الفلسطيني، الملاذ الآمن قد يكون جرة غاز أو كيس طحين، لا قطعة ذهب”.
وأضاف أن العالم يعيش حالة “تفرد رأسمالي”، حيث تتداخل القرارات السياسية والاقتصادية بشكل يجعل من الصعب الفصل بينهما، مؤكداً أن من “يصنع قرار الحرب هو ذاته من يؤثر في القرار الاقتصادي العالمي”.
لماذا لا تتحرك القوى الاقتصادية الصاعدة؟
وفي رده على تساؤلات حول غياب تدخل قوى اقتصادية كبرى، أشار عاشور إلى أن دولاً مثل الصين والهند والبرازيل، إضافة إلى تكتلات مثل دول بريكس، قد تفضّل امتصاص الصدمات قصيرة الأمد بدل الانجرار إلى مواجهات مباشرة مع الولايات المتحدة، تفادياً لاستنزاف طويل المدى شبيه بما حدث مع روسيا.
وبيّن أن التأثير المباشر لارتفاع أسعار الطاقة سيطال آسيا وأوروبا أولاً، بينما قد تستفيد شركات الطاقة والتأمين الكبرى من موجات الارتفاع السريعة.
الاقتصاد الفلسطيني: بين أزمة داخلية وصدمة خارجية
وحول الانعكاسات المحلية، وصف الاقتصاد الفلسطيني بأنه “هش ومرهق”، ويواجه مسارين متزامنين:
أولاً: الأزمة الداخلية، أزمة المقاصة، احتمالية تأخر الرواتب، تراجع الإيرادات الحكومية.
ثانياً: الصدمة الخارجية، ارتفاع أسعار الطاقة، زيادة تكاليف الشحن والتأمين، اضطراب سلاسل الإمداد.
وأشار إلى أن نحو 78% من السلع في السوق الفلسطينية مستوردة، ما يجعل أي اضطراب عالمي ينعكس مباشرة على الأسعار محلياً.
انتقاد لغياب الرقابة
وانتقد عاشور ضعف الرقابة على الأسعار، لافتاً إلى أن السلع ترتفع فور ارتفاع الدولار، لكنها لا تنخفض عند تراجعه. وضرب مثالاً بأسعار المواد الغذائية والخبز واللحوم، مؤكداً أن “المشكلة ليست في التشخيص، فالجميع يعرف موضع الخلل، لكن في غياب الإجراءات الفاعلة”.
وقال: “إذا كنا نتحدث عن اقتصاد حر عند حماية المستورد، فلماذا لا يكون حراً عند حماية المنتج المحلي؟”.
كما دعا إلى إجراءات وقائية عاجلة لتخفيف آثار الأزمة، تشمل تشديد الرقابة على الأسواق، وترشيد الإنفاق الحكومي، ودعم المنتج المحلي، خاصة القطاعات التي وصفها بـ”الوطنية الخالصة” مثل الزيتون والتمور.
سيناريوهان أمام الأسواق
رجّح عاشور أن المشهد الاقتصادي العالمي يتوقف على مسارات عدة، فاما حرب قصيرة تشكل صدمة مؤقتة تعقبها عودة تدريجية للأسعار. او استنزاف طويل وهذا يعني تضخم عالمي وضغوط ممتدة على الاقتصادات الهشة.
وختم بالقول إن “أكبر الخاسرين في مثل هذه الأزمات هو المستهلك الصغير”، داعياً إلى تحرك رسمي سريع لتخفيف الأعباء عن المواطنين في ظل مرحلة وصفها بـ”الأيام الصعبة”.




