(CNBC عربية)
تكشف ملفات جيفري إبستين عن شبكة واسعة من العلاقات بين نخبة المال والسياسة، وكيف استُخدم النفوذ والثروة لبناء تأثير غير مباشر على الأسواق والشركات.
أحدث الوثائق تظهر استغلال العلاقات الشخصية لتسهيل صفقات خلف الأبواب المغلقة، ما يثير قلقاً بشأن ضعف الرقابة والثقة في النظام المالي.
خبراء اقتصاد يرون أن هذه الشبكات تضعف العدالة وتشجع المخاطرة، كما تكشف عن بيئة مالية تحكمها السرية والمصالح الشخصية، بعيداً عن الشفافية والممارسات الأخلاقية، في وقت تعكس فيه الملفات التأثير العميق للمال والسلطة على الأسواق والقيم، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات اقتصادية واسعة.
“كل دقيقة قضيتها معه أندم عليها، وأعتذر لأنني فعلت ذلك”.. مؤسس مايكروسوفت Microsoft بيل غيتس يكسر صمته أخيراً بعد أحدث تسريب لملفات جيفري إبيستن، الملياردير الأميركي المثير للجدل والمتورط في فضائح قانونية وأخلاقية.
تنصل غيتس من علاقته بـ “إبيستن”، والتي قال إنها بدأت منذ العام 2011 حينما التقاه لأول مرة وتناول معه وجبات العشاء عدة مرّات خلال فترة ثلاث سنوات، كان الحديث منصباً وقتها بين الطرفين على أن إبيستن “يعرف الكثير من الأثرياء جداً، وكان يقول إنه يستطيع إقناعهم بالتبرع لصالح الصحة العالمية”.
“كنت ساذجاً.. وأنا واحد من كثيرين يندمون على معرفته من الأساس”، يتبرأ غيتس في التصريحات التي نقلتها عنه CH9 الأربعاء 4 فبراير/ شباط من علاقته بالملياردير الأميركي المتهم باستغلال القاصرات، ويقول إنه “لم يذهب للجزيرة مطلقاً ولم يلتق بأي نساء”.
غيتس هو واحد ممن وردت أسماؤهم في ملايين الصفحات ضمن ملفات إبيستن، من بينهم أسماء بارزة في “وول ستريت” ومجموعة من كبار التنفيذيين، بما يثير موجة شكوك واسعة حول شبكة نفوذ إبيستن ومدى تورطه وتأثيره في عالم المال والأعمال.
كما عززت تلك الوثائق المنشورة أخيراً تساؤلات حول كيف تعكس شبكة جيفري إبستين – بما في ذلك أنشطته المالية، ونفوذه في عالم الأعمال، وقربه من صناع السياسات، وعلاقاته مع كبار المديرين التنفيذيين – مواطن الضعف الهيكلية في الأسواق العالمية، وحوكمة الشركات، وثقة المستثمرين؟ وما هي التداعيات الاقتصادية الأوسع نطاقاً التي قد تنجم عن مثل هذه الشبكات المبهمة للسلطة والنفوذ؟
هذه الشبكة المثيرة من العلاقات، تكشفت مع افتضاح الفضيحة الحقيقية على جزيرته، حيث اتهم بإقامة بيئة مغلقة لاستغلال فتيات قاصرات جنسياً. وتكشف التحقيقات والشهادات المختلفة وجود استدراج ممنهج للضحايا، وتحكم نفسي وعزلة قصوى، واستغلال هشاشة الفتيات، ما جعل الجزيرة مكاناً خارج أي إطار إنساني أو أخلاقي.
وجهت له اتهامات بالتحرش الجنسي المنظم، وتسهيل الشبكة الإجرامية، وإساءة استغلال السلطة والنفوذ المالي لارتكاب جرائم واسعة النطاق ضد القاصرات، وهو ما حول اسمه إلى رمز لأبشع ملفات الاستغلال الجنسي في العصر الحديث.
شبكة علاقات
تحتوي دفعة جديدة من وثائق إبستين على ملايين الصفحات، والعديد من الأشخاص المذكورين فيها مديرون تنفيذيون وأطباء ومحامون وصانعو صفقات في قمة مجالاتهم.
تُبرز الوثائق كيف نسج شبكة علاقات مع شخصيات مؤثرة، مستفيداً من بريق السلطة والمال لبناء دائرة نفوذ واسعة، حتى بعد إدانته عام 2008 في قضية تتعلق بقاصر.
تكشف رسائلهم وصورهم المنشورة مدى تعقيد شبكة نفوذ إبستين وكيف استغل علاقاته لجمع الثروة وتكوين صداقات نافذة، بحسب تقرير لصحيفة “وول ستريت جورنال”، أشار إلى أن تلك الملفات تُظهر أن بعض الأشخاص سعوا إلى استشارة إبستين ومؤانسته، حتى بعد إقراره بالذنب في قضية استدراج قاصر عام 2008، وهي علاقات أنكرها البعض سابقاً وظلت طي الكتمان إلى حد كبير حتى الآن.
قدرة لافتة على الوصول لدوائر المال والأعمال
تكشف الدفعات الأحدث من وثائق إبستين قدرة لافتة على الوصول والتغلغل داخل دوائر المال والنفوذ، وهي شبكة لم تكن سطحية أو بروتوكولية، إنما بدت في كثير من الأحيان شخصية ومباشرة، ذلك أن المراسلات وسجلات المواعيد وحركة الطيران الخاص ترسم ملامح رجل استطاع التسلل إلى عوالم متباعدة: وول ستريت، الأوساط الأكاديمية المرموقة، سياسيون سابقون وحاليون، وأصحاب ثروات هائلة.
ولم يكن حضوره في هذا السياق بصفته مجرد متبرع أو مستثمر، إنما كـ”وسيط علاقات” يربط أشخاصاً ببعضهم، ويظهر في مفترقات طرق حساسة. وقد دفع هذا النمط من الحضور الكثيف بتساؤلات: كيف لشخص بخلفيته الغامضة أن يحصل على هذا المستوى من القبول داخل نخبة يفترض أنها شديدة الحذر في انتقاء دوائرها المغلقة؟
فتحت هذه الضبابية تحديداً الباب واسعاً أمام سرديات المؤامرة التي وجدت في قصة إبستين مادة مثالية، ففي ردهات الإنترنت ومواقع التواصل، لم يعد الرجل مجرد مجرم مدان استغل نفوذه، بل تحوّل في بعض الروايات إلى أداة بيد أجهزة استخبارات، وتكررت مزاعم – بلا أدلة موثوقة- عن صلات مزعومة بالموساد أو غيره من الأجهزة.
كذلك مع صعود عالم العملات المشفرة، قفزت روايات مماثلة تربط بين غموض ثروته وغموض هوية مبتكر البيتكوين، ليظهر من يلمّح إلى أنه قد يكون “ساتوشي ناكاموتو”.
وفيما تفتقر هذه الادعاءات إلى أساس إثباتي، لكنها تكشف شيئاً جوهرياً: كلما زادت الفجوات في الرواية الرسمية، تمددت المساحة التي تحتلها القصص البديلة، حتى لو كانت أقرب إلى الخيال منها إلى الحقائق.
ما تأثير تلك الملفات على الشركات والمستثمرين المعنيين؟
تُصوّر الملفات رجلًا يبيع الخدمات ويبني شبكة واسعة من العلاقات مع شخصيات مؤثرة مثل المؤسس المشارك لشركة PayPal بيتر ثيل، والرئيس التنفيذي لشركة تسلا إيلون ماسك، ومؤسس مايكروسوفت بيل غيتس، ومستشار ترامب السابق ستيف بانون، وتظهر بشكل لا لبس فيه أنه ترسخ في أعلى مستويات الثروة والسلطة والسياسة.
كما ورد اسم ريد هوفمان، المؤسس المشارك لشركة لينكد إن، واسم سيرجى برين، المؤسس المشارك لغوغل، وكذلك ستيفن سينوفسكي، المدير التنفيذي السابق في مايكروسوفت.
لكن تأثير المعلومات الجديدة على الشركات والمستثمرين المعنيين غير واضح بعد، وفق تقرير لصحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية. بينما من المتوقع ظهور مزيد من “الفضائح”. كما أن بعض المصادر في وول ستريت قالت إنهم ينقبون في المراسلات بحثاً عن دلائل جديدة.
فيما لا يزال سؤال ما إذا كانت هذه الملفات ستشكل قضية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يظهر فيها بوضوح، خصوصاً بعد أن أصدرت إدارته أحدث دفعة من الوثائق بعد تأخيرات وضغوط سياسية متزايدة.
شبكات “ضرب الثقة”!
الأستاذ في جامعة McGill الكندية، المتخصص في السلوك الاقتصادي، إرنان هاروفي، يقول لـ CNBC عربية، إن شبكات النخب بشكل عام، قد تؤدي إلى ثغرات هيكلية.
أول تلك الثغرات أنها قد تقلل من الثقة في عدالة الأسواق وفي استعداد الجهات التنظيمية لتطبيق القواعد، مما يُضعف الثقة في النظام المالي الأميركي.
ويضيف أن مثل تلك النوعية من الشبكات قد تؤدي بدروها إلى “قصور في الرقابة”؛ فالعلاقات الشخصية الوثيقة بين السياسيين ورجال الأعمال والإعلاميين والأكاديميين قد تُؤثر سلباً على أدوار الرقابة.
ويشدد هاروفي على أنه “حتى مجرد الشعور بالنفوذ قد يُغير السلوك من خلال تشجيع المخاطرة في الأسواق”.
أسماء مختلف.. من الغرب للشرق!
ويشار إلى أن معظم الشخصيات التي وردت أسماؤها في ملفات جيفري إبستين سارعت بالنفي أو الصمت، مما زاد من غموض القضية وعمق الانطباع العام بأن الشبكة كانت أكثر تعقيداً مما يبدو للعلن. هذا النفي والصمت ساعدا على تغذية الجدل العام ونظريات المؤامرة حول مدى تأثير نفوذ إبستين، وكيفية تمكنه من التسلل إلى أوساط النخبة دون أن يترك وراءه آثاراً مباشرة تثبت تورط الآخرين، رغم حجم الأدلة والشهادات التي وثّقت ممارساته اللاخلاقية.
الأمر اللافت في هذه الملفات أن شبكة علاقاته لم تكن محصورة في الغرب فقط؛ فقد ظهرت أسماء من الأوساط العربية أيضاً، بعضها مرتبط بأعمال تجارية وسياسية معروفة، وبعضها الآخر جاء ذكره ضمن مراسلات واجتماعات لم يسبق الإعلان عنها. ومن بين تلك الأسماء من خرج ليعلق موضحاً طبيعة علاقته بإبستين.
هذا الأمر يوضح أن المدى الجغرافي لنفوذ إبستين كان واسعاً بشكل غير مسبوق، وأن تأثيره وصل إلى مناطق متعددة من العالم، ما يزيد من تعقيد القضية ويجعل من فهم طبيعة علاقاته المهمة تحدياً كبيراً للباحثين والصحافيين على حد سواء.
علاقات جيفري إبستين بنخبة وول ستريت
أسماء عديدة وردت في ملفات إبيستن ترتبط بـ “وول ستريت” ويسعون للتبرؤ منه، فعلى سبيل المثال تكشف رسائل بريد إلكتروني صدرت متأخرة يوم الجمعة الماضي، عن تفاصيل أكبر حول علاقة كاتي روملر، المستشارة القانونية لغولدمان ساكس، بإبستين، الذي أرسل لها هدايا فاخرة، وقدم لها إرشاداً مهنياً.
تستمر هذه الوثائق في جذب التدقيق داخل غولدمان ساكس حول موقفها المهني، نظراً لدورها كواحدة من المراقبين الرئيسيين للأنشطة اليومية للبنك، بحسب ما ذكرته صحيفة فايننشال تايمز.
وفي وقت إرسال بعض الرسائل، كانت روملر شريكة في مكتب المحاماة لاتام وواتكينز، الذي صرح يوم الإثنين بأن إبستين لم يكن أحد عملائه.
وقالت روملر في بيان: “كنت محامية دفاع عند التعامل مع جيفري إبستين.. تعرفت إليه كمحامية، وكان ذلك أساس علاقتي به.. لم أكن أعلم بأي سلوك إجرامي مستمر من جانبه، ولم أعرفه كالمسوخ الذي انكشف عنه لاحقاً”.
روملر ليست الوحيدة ضمن وثائق وزارة العدل الأميركية، والتي أظهرت مدى ارتباط إبيستن بنخبة صانعي القرار في السياسة والمال حول العالم، إذ كشفت الوثائق عن علاقات وثيقة لأشخاص سبق أن نفوا أي ارتباط به.
في السياسة البريطانية، يظهر الوسيط بيتر ماندلسون، الذي تلقى 75 ألف دولار من إبستين في 2003، حين كان سياسياً بارزاً في حزب العمال، وفق الملفات. وقال متحدث باسم ماندلسون إنه لا يوجد سجل أو تذكر لتلقي هذه المدفوعات، ولا يعرف ما إذا كانت الوثائق أصلية.
تُظهر الملفات أن ماندلسون نصح إبستين في 2009 بأن يقوم جي بي مورغان تشيس بتهديد خفيف لخزانة بريطانيا حول ضريبة على مكافآت المصرفيين التي كانت الحكومة تقترحها، بل وظهر أنه سرب خطط إنقاذ اليورو لإبستين بحسب الوثائق.
ويوم الجمعة، أعاد ماندلسون إصدار بيان سابق يؤكد فيه أنه أدرك الحقيقة عن إبستين بعد انتحاره في 2019 قال فيه: “كنت مخطئًا في الثقة بإبستين بعد إدانته ومواصلة ارتباطي به لاحقًا. أعتذر بشكل قاطع للنساء والفتيات اللواتي تعرضن للضرر.” ويوم الأحد، أعلن ماندلسون استقالته من حزب العمال.
أما في أبولو غلوبال مانجمنت، فتكشف الرسائل الإلكترونية أن إبستين ناقش شؤون الضرائب مع كبار التنفيذيين، بما في ذلك الرئيس التنفيذي مارك روان. ويشير تقرير الصحيفة البريطانية، إلى أن إبستين، الذي لم يكمل الجامعة وكان لديه تدريب تجاري محدود، تمكن من التودد لكبار الشخصيات في عالم المال، بمن فيهم ليون بلاك، أحد مؤسسي أبولو، الذي دفع له أكثر من 150 مليون دولار كرسوم، عن طريق تقديم نفسه كخبير في الضرائب والتخطيط العقاري.
علاقته ببلاك قادت إلى مناقشات أخرى مع أبولو، حيث تواصل روان مع إبستين حول صفقة محتملة لإعادة تسجيل الشركة في الخارج لتقليل الضرائب. كما نسق إبستين اجتماعات رفيعة المستوى بين تنفيذيي أبولو والبنك السويسري إدموند دي روشيلد. وقالت أبولو في بيان: “روان لم تكن له أي علاقة تجارية أو غيرها مع إبستين. وكما ذُكر سابقًا، لم تقم أبولو بأي عمل تجاري مع إبستين”.
كما جاء ذكر براد كارب، رئيس مكتب المحاماة بول فايس، الذي يمثل أبولو منذ فترة طويلة ويعمل مع بلاك شخصياً، حيث كشفت الرسائل أنه رتب مع مساعد إبستين لحضور ابنه وابنته عرضاً لفيلم صغير لوودي ألين، دون توضيح ما إذا حضر كلا الطفلين.
مرشح الفدرالي ضمن القائمة!
ومن نخبة وول ستريت، إلى قلب السياسة النقدية الأميركية، فإن دفعة الملفات الأخيرة عن جيفري إبستين، شهدت ورود اسم مرشح ترامب لرئاسة الفدرالي، كيفين وارش، ضمن قائمة الحاضرين في مناسبات اجتماعية مرتبطة بالشبكة نفسها التي أنشأها إبستين حوله.
ورغم أن الإشارة لم تحمل أي اتهام مباشر أو دليل قانوني على تورطه، فإن مجرد ورود الاسم في هذه الوثائق يثير تساؤلات عن مدى انتشار علاقات إبستين وتأثيرها في دوائر السلطة الاقتصادية العليا، فقد كان واضحاً أن شبكته لم تقتصر على الأصدقاء أو المعارف، إنما امتدت إلى أشخاص يُتخذون منهم قرارات مالية حاسمة على المستوى الوطني والعالمي.
يعكس هذا الظهور جانباً من النفوذ الاجتماعي المذهل لإبستين، حيث استطاع عبر تنظيم لقاءات واجتماعات أن يضع نفسه في مفترق طرق شخصيات نافذة، من السياسة إلى المال والتكنولوجيا.
انعدام العدالة
كبير استراتيجيي الأسواق في Bannockburn Capital Markets، مارك تشاندلر، يقول لـ CNBC عربية إنه “إذا وضعنا جانباً قدر الإمكان السلوك المروع تجاه الأطفال، فإن الشبكة الاقتصادية والمالية المرتبطة بالقضية تعزز، في تقديري، الشعور العميق بانعدام العدالة ووجود تواطؤ وتعاون بين المطلعين وأصحاب النفوذ”، متسائلاً: “أليس في ذلك ما يكشف حقيقة ما يُسمى بـ (الدولة العميقة)؟”.
ويضيف: “إن الإجرام والنفاق في هذه الشبكات قد يشكلان بيئة خصبة لانتشار فقدان القيم.. وإذا كنت أفهم بشكل صحيح ما طرحه بيتر دراكر في كتابه (The End of Economic Man) الذي كُتب قبيل الحرب العالمية الثانية، فإن مثل هذا المناخ يوفر تربة خصبة لصعود الفاشية”، على حد وصفه.
ويستطرد: “الكشوفات المتعلقة بعلاقات المال والسلطة، بحسب ما قرأت حتى الآن، تُقوّض شرعية الوضع القائم، من دون أن تطرح بديلاً واضحاً يمكن أن يحل محله”.
حقيقة مظلمة
بحسب تقرير لـ ” الاندبندنت”، فإن ملفات إبستين تكشف “حقيقة مظلمة عن الأثرياء” والألعاب الملتوية التي يمارسونها بالمال. وينبه التقرير أنه بعيداً عن الانحرافات الأخلاقية، كشفت ملايين الملفات أيضاً الآليات الداخلية لعالم الأثرياء وأصحاب النفوذ الذين خدمهم (..) إذ تكشف هذه الوثائق عالم المال الفاخر المليء بالسرية.
وبين السطور القاتمة في ملفات إبستين تظهر بوضوح كيف أن الثروة تعتمد كثيراً على صفقات خلف الأبواب المغلقة وممارسات تجارية مشبوهة، فرسائل البريد الإلكتروني التي تمت إماطة اللثام عنها تكشف كيف جاء كثير من معارفه بطلبات استجداء مالية، واثقين خطأً أنهم في مأمن من الانكشاف.
التاريخ الاقتصادي.. إبستين نمط متكرر!
ومن منظور تاريخي، ربما يكون من الأنسب فهم جيفري إبستين ليس كحالة شاذة، بل كجزء من نمط متكرر ومقلق في التاريخ الاقتصادي؛ فغالباً ما تُنتج فترات تركز الثروة والابتكار المالي شبكات نفوذ غير رسمية تعمل جنباً إلى جنب مع القواعد الرسمية، وأحيانًا تتجاوزها. وقد حدث هذا في جميع أنحاء العالم، وعلى مر العصور، بحسب الأكاديمية الأميركية الاستاذة بكلية كولومبيا-غرين، نيكي تشايلدروس.
وتشير الاستاذة الجامعية المتخصصة في العلوم السياسية والاجتماعية، إلى أن العواقب الاقتصادية الأوسع نطاقًا لمثل هذه الشبكات تشمل (سوء تخصيص رأس المال، حيث يُشوه النفوذ قرارات الاستثمار)، و(ردود فعل تنظيمية سلبية، غالبًا ما تكون رد فعلية وليست هيكلية)، فضلاً عن (تآكل الثقة المؤسسية، التي تعتمد عليها الأسواق لتحقيق الاستقرار)، وكذلك (ترسيخ عدم المساواة، حيث تصبح المساءلة مُصنفة حسب المكانة الاجتماعية).
بالنسبة للأسواق، تضيف: “تاريخياً، قد تصبح الأسواق عرضة للخطر عندما تحل العلاقات الشخصية محل الشفافية والرقابة”، موضحة أن وصول إبستين العميق إلى المؤسسات المالية والشخصيات السياسية وقادة الشركات يعكس نقاط ضعف محتملة طويلة الأمد في الأسواق العالمية، لا سيما في مجالات مثل التمويل الخاص، والحسابات الخارجية، وشبكات الاستشارات النخبوية.. “لطالما سمحت هذه المساحات للنفوذ والسمعة بأن يحلّا محل المساءلة، منذ العصر الذهبي وحتى أواخر القرن العشرين”.
وتستطرد: أما فيما يخص حوكمة الشركات، يُظهر التاريخ أنه عندما يعتمد القادة بشكل أكبر على الثقة الاجتماعية أو شبكات النفوذ بدلاً من المعايير الأخلاقية الواضحة واللوائح التنظيمية، فإن المؤسسات تُعرّض نفسها للمخاطر. فقد يتجاهل المستثمرون ومجالس الإدارة مؤشرات التحذير لأن الشخص يبدو “متصلاً” أو يحظى بالاحترام. وبمرور الوقت، يُقوّض هذا مصداقية أنظمة الشركات التي وُضعت لحماية أصحاب المصلحة.
وتتمثل النتيجة الاقتصادية الأكبر في فقدان الثقة، وهي عنصر أساسي لاستقرار السوق، بحسب تشايلدروس التي تستطرد قائلة: “عندما يرى الجمهور أن الثروة والقرب من السلطة يُمكن أن يحميا الأفراد من التدقيق، تتراجع الثقة في الأسواق.. تاريخياً، غالباً ما يؤدي هذا إلى رد فعل شعبي عنيف، وتشديد اللوائح التنظيمية، واضطراب اقتصادي بدلاً من الإصلاح التدريجي”.




