كتب رئيس تحرير شبكة الرقيب
لم يكن التحوّل من أموال المقاصة إلى القروض مجرّد خيار مالي اضطراري، بل مسارًا سياسيًا –اقتصاديًا كاملًا جرى تكريسه بهدوء، حتى تحوّل الاحتلال الاقتصادي من سيطرة مباشرة إلى ارتهان بالديون. فبينما ظلّت المقاصة الأداة الأوضح لخنق القرار المالي الفلسطيني، جاءت القروض لتكمل المشهد، لا لتكسره.
تمثّل أموال المقاصة نحو 70% من الإيرادات العامة للخزينة الفلسطينية، ما جعل المالية العامة رهينة قرار إسرائيلي منذ تأسيسها. ومع كل احتجاز أو اقتطاع، كانت الحكومة تُدفَع إلى خيار واحد: الاقتراض من البنوك. هكذا، بدل البحث الجدي عن كسر التبعية، جرى تدوير الأزمة عبر البنوك، وتحويل العجز السياسي إلى دين مالي.
وفق معطيات مالية رسمية، تجاوزت ديون الحكومة الفلسطينية للمصارف المحلية تجاوزت 3 مليارات دولار، وهو رقم لم يُستثمر في بناء اقتصاد منتج أو في تطوير قطاع صناعي قادر على تقليص الاستيراد، بل استُخدم في معظمه لتغطية الرواتب والنفقات الجارية وسدّ فجوات قصيرة الأمد. وبذلك، لم تُحلّ الأزمة، بل جرى ترحيلها من عام إلى آخر، ومن حكومة إلى أخرى.
الأخطر أن هذا المسار جرى تقديمه للرأي العام بوصفه “واقعية مالية”، في حين أنه في جوهره استبدال لأداة السيطرة لا أكثر. فالمقاصة التي كانت تُحتجز بقرار سياسي مباشر، جرى تعويضها بقروض مشروطة بسقوف ائتمانية، وربطت القرار المالي الفلسطيني بالبنوك، لا بالإنتاج أو السيادة. النتيجة واحدة: غياب الاستقلال المالي.
في هذا السياق، جرى تغييب السؤال الجوهري: لماذا لم تُستخدم القروض كرافعة إنتاجية؟ ولماذا لم تُوجَّه لبناء قاعدة صناعية تقلّص الاعتماد على الاستيراد الإسرائيلي؟ الإجابة تكمن في نموذج اقتصادي قائم على الاستهلاك والجباية، لا على التصنيع. فدعم الصناعة كان سيؤدي إلى تقليص الاستيراد من إسرائيل بما لا يقل عن 50% في بعض القطاعات وبشكل تدريجي، يعني توفير حوالي 1 مليار دولار سنويًا، وهو ما يعني تقليص الحاجة إلى المقاصة والقروض معًا. لو توفرت الارادة والقرارات الاقتصادية التي تنسجم مع الحالية الفلسطينية.
غير أن هذا الخيار ظلّ مؤجّلًا، لأن كسر التبعية الاقتصادية لا يتمّ دون كلفة سياسية. فاقتصاد الإنتاج يحتاج إلى حماية جمركية، وإلى قرار سيادي، وإلى مواجهة اقتصادية مباشرة . في المقابل، القروض توفّر حلًا سريعًا بلا صدام، ولو على حساب المستقبل، مستقبل الاجيال القادمة التي ستتحمل هذا العبئ المالي الضخم.
هكذا، تحوّلت البنوك إلى شريك غير معلن في إدارة العجز. فبينما تُراكم الحكومة ديونها، يتحمّل الاقتصاد كلفة الفوائد، ويتقلّص هامش الإنفاق التنموي، ويُستنزف القطاع الخاص، وتبقى الصناعة خارج الحسابات. ومع وصول المديونية العامة إلى نحو 15 مليار دولار، يصبح السؤال ملحًّا: إلى متى يمكن الاستمرار في هذا المسار؟ الى متى غياب القرار؟
الخطاب الرسمي لا يزال يتحدّث عن “أزمة سيولة”، في حين أن الواقع يشير إلى أزمة نموذج اقتصادي. فالمشكلة ليست في غياب الأموال فقط، بل في كيفية إدارتها، وفي الخيارات التي جرى اتخاذها طوال سنوات. كل قرض جديد، دون تغيير جذري في السياسات الإنتاجية، لا يخفّف الاحتلال الاقتصادي، بل يعيد إنتاجه بأدوات مختلفة.
أن ما جرى لم يكن انتقالًا من المقاصة إلى الاستقلال، بل من المقاصة إلى الديون. والاحتلال الاقتصادي لم يُكسَر، بل أُعيدت صياغته بلغة مالية أقل صخبًا وأكثر خطورة. فالقروض، حين لا تُستخدم لبناء اقتصاد منتج، لا تكون حلًا، بل قيدًا جديدًا يُضاف إلى سلسلة التبعية.
في ظل هذا الواقع، يصبح دعم الصناعة خيارًا سياديًا لا تقنيًا، ويغدو السؤال الحقيقي: هل نريد اقتصادًا يعيش على القروض، أم اقتصادًا يعيش من إنتاجه؟ على الاخص مع صناعة فلسطينية اليوم تجوب العالم بكل احترافية ونوعية، ومع الاسف تحاصر داخل السوق الفلسطيني نفسه. اليوم، وصل إجمالي أموال المقاصة لاكثر من 3 مليار دولار، وقيمة ما تم تحويله للخزينة حوالي 650 مليون دولار (اي اقل من 19%)، بمفارقة غير مسبوقة، وتستمر حكومة الاحتلال باحتجاز حوالي 5 مليار دولار.
الوضع الراهن، بعض التوجهات الخجولة، ولا رؤية اقتصادية، ولا رؤية مالية، ولا قرار واستمرار للحصار.




