خاص الرقيب
رام الله – في حلقة جديدة من برنامج “حديث الرقيب” على أثير إذاعة الرقيب 101.9FM وعبر منصات التواصل، ناقش مقدّم البرنامج طلعت علوي، مع الخبير والمحلل الاقتصادي د. نصر عبد الكريم حصيلة السياسات الاقتصادية والمالية خلال عام 2025، وما يمكن أن تعنيه كـ“لبنات صلبة” أو مؤشرات استشرافية لعام 2026، وسط “ضربات اقتصادية مؤلمة” تلقّاها الاقتصاد الفلسطيني وتزايد الإرباك لدى مختلف الفئات.
وخلال اللقاء، افتتح المقدّم النقاش بالتأكيد أن نهاية العام تأتي فيما “يغيب الحد الأدنى من التفاؤل” وفق ما تعكسه الأرقام والسياسات والقرارات، متسائلًا عمّا إذا كانت إجراءات 2025 تسير ضمن مسار واحد يقود لنتيجة واضحة، أم أنها تعمّق “التخبط” في الملف الاقتصادي.
غياب خطاب اقتصادي موحّد: “الناس تُترك للتنجيم”
وسلّط المقدّم الضوء على ما وصفه بـ“غياب الخطاب الاقتصادي والمالي” رسميًا، معتبرًا أن هذا الغياب يربك المستثمر والمواطن والموظف والمزارع وسائر شرائح المجتمع، لأنه يعكس—بحسب طرحه—غياب رؤية اقتصادية من الأصل.
من جانبه، قال د. عبد الكريم إن إنتاج خطاب اقتصادي “ذو مضمون ومغزى” يتطلب رؤية موحّدة، وتحليلًا متفقًا عليه، ومعلومة مبنية على حقائق ومعطيات، وأن تكون الرسائل قائمة على “خطاب الواقعية” لا على تمرير مواقف أو تحشيد ظرفي. وأضاف أن الخطاب الحالي “فيه بعثرة وتناقضات”، ومع غياب المعلومة “يصير الناس تنجم” لفهم المشهد، وتتراجع الثقة حتى في التصريحات والتحليلات، مشيرًا إلى أن ردود الجمهور على منصات التواصل غالبًا ما تُظهر تشككًا في أي إعلان رسمي.
ودعا د. عبد الكريم إلى وجود “مكينة إعلامية” متخصصة تنتج خطابًا مهنيًا، وتكاشف الناس بحقيقة الوضع، بدل ترك المتضررين خارج المشهد، معتبرًا أن التصريحات تصبح “موسمية” دون استمرارية. كما طرح فكرة إنشاء إطار تنسيقي يشبه “مجلس سياسات” للتنسيق بين السياسات الاقتصادية والاجتماعية وتفادي تضارب القوانين والوصفات.
تشخيص بلا حلول… والقطاع الخاص “شراكة شكلية”
بدوره، شدد د. عبد الكريم على أن التشخيص الحقيقي يعني العودة لأسباب النتائج وتعلّم الدروس من التجارب السابقة، لا تكرار العناوين ذاتها. وذكّر بأن التحذيرات من تعميق الاعتماد على إسرائيل عبر تكثيف الاستيراد طُرحت منذ سنوات طويلة، لأنها قد تمنح حلولًا مؤقتة للعجز المالي لكنها تضر القطاعات الإنتاجية وتزيد العجز التجاري، ما يعمّق الاعتمادية على المقاصة والاستيراد.
وانتقد استمرار النهج ذاته رغم الظروف الاستثنائية، مشيرًا إلى أن الحكومات تكثر من تشخيص المشكلة بالأرقام—العجز المالي والتجاري وتكدّس المستحقات—دون تقديم خطة واضحة “ماذا سنفعل بهذه الأرقام”. كما تساءل عن سبب غياب الشراكة الفعلية بين القطاعين العام والخاص، معتبرًا أن اللقاءات غالبًا شكلية بلا أثر، رغم أن غالبية وزراء الاقتصاد والمالية يأتون من خلفيات القطاع الخاص.
الإصلاح الاقتصادي يبدأ من السياسة: أزمة مساءلة وشفافية
وفي محور الإصلاحات، اعتبر د. عبد الكريم أن الحديث عن إصلاحات اقتصادية وإدارية ومالية جدية يصطدم بغياب شروط “الإصلاح السياسي” الذي يقود لإصلاحات تشريعية ومؤسسية وإدارية. وأرجع ذلك إلى أزمة مساءلة مرتبطة بغياب المجلس التشريعي المنتخب منذ سنوات طويلة، ما يضعف الشفافية والمكاشفة ويفرغ أدوات الرقابة من مضمونها.
وقال إن الاحتجاج والتظاهر والمناشدات “وسائل مشروعة”، لكنها لا تعوّض غياب المساءلة المؤسسية التي تمكّن الناس من محاسبة الحكومة أو سحب الثقة عنها. ولفت إلى أن مفهوم الإصلاح المتداول أحيانًا يأتي “مجزأً” وغير متسق، متسائلًا عن طبيعة الإصلاح المطلوب: هل هو المس برواتب الأسرى والشهداء؟ أم ضبط التداول النقدي فقط؟ أم إصلاحات تمس جوهر الأزمة مثل إصلاح النظام الضريبي، وترشيد النفقات غير الضرورية دون المساس بحقوق الموظفين، وتعزيز الحماية الاجتماعية ودعم القطاعات الإنتاجية.
العمال بلا عمل ورواتب مجتزأة: “المعاناة طالت الجميع”
وتوقف اللقاء عند اتساع رقعة المتضررين من الأزمة، مع الإشارة إلى فئات على رأسها العمال الذين فقدوا أعمالهم منذ أكثر من عامين، والموظفون الذين يتقاضون أجزاء من الرواتب، والمزارعون الذين يواجهون الإغراق وتراجع الحماية، إضافة إلى المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تضررت من الانكماش.
وشدد د. عبد الكريم على أن المطلوب حوار اقتصادي-اجتماعي وطني جامع يسبقه حوار سياسي، معتبرًا أن استمرار إدارة الشأن العام بنفس الأدوات والمنهجيات رغم التحولات الكبرى “لن يجدي” أمام ما يجري.
بدائل اقتصادية: مكافحة الإغراق وحماية الإنتاج وتدرّج تقليل الاستيراد
وفي الجزء المتقدم من النقاش، طُرح ملف مكافحة الإغراق كمدخل عملي لتخفيف الضغط على المقاصة وتعزيز الإيرادات المحلية. وجرى الحديث عن إمكانية تقليل الاستيراد من سلع يمكن الاستغناء عنها أو إحلالها بإنتاج محلي، بما يقلل الاعتماد على التحويلات ويخلق فرص عمل ويزيد الإيرادات المباشرة للخزينة “بعيدًا عن المقاصة والتهديدات”.
وأشار د. عبد الكريم إلى وجود جهود رسمية عبر فريق مختص بمكافحة الإغراق، لكنه أوضح أن الملف يحتاج إلى قرار واضح، وقاعدة بيانات، ومعرفة دقيقة بالسلع التي تتعرض لإغراق، مع الاعتراف بأن تضارب المصالح بين التجارة والصناعة قد يعقّد الحسم. كما طُرح خيار التدرّج على فترة زمنية منظمة لتقليل استيراد سلع محددة وصولًا إلى مستويات منخفضة، مع مراعاة أوضاع التجار، وبمقابل إعطاء أولوية لمصلحة الاقتصاد الوطني.
كما نوقشت فكرة “ضريبة حماية” أو رسوم تنظيمية على بعض الواردات بما يحقق عدالة سعرية ويعزز قدرة المنتج المحلي على المنافسة، مع التأكيد على أن ذلك يتطلب منظومة بيانات وجمارك فعّالة.
قراءة 2026: السياسة تحدد الاقتصاد… و”أنسنة الأرقام”
وختم د. عبد الكريم بأن قراءة عام 2026 اقتصاديًا تبقى رهينة السيناريو السياسي والأمني: مستقبل غزة ومن يحكمها، علاقة غزة بالضفة، سلوك إسرائيل، موقف العرب والمجتمع الدولي، وشكل النظام السياسي الفلسطيني. وأبدى تحفظًا على الاكتفاء بالمؤشرات الرقمية، داعيًا إلى “أنسنة الأرقام” وقياس الاقتصاد بما ينعكس على حياة الناس: فرص العمل، تقليل الفقر، قدرة الطالب على التعليم، وتوفر العلاج والخدمات دون استجداء.
وخلال مثال لافت، قال إن ما يحتاجه الناس هو شعور بوجود حكومة “تعمل كالأب والأم” وتخاطبهم بمكاشفة وخطة واضحة: ما الذي ستفعله وكيف ستطلب من المجتمع أن يتحمل. واستعاد تجربة سابقة اعتبر أنها تميزت بالتواصل المباشر وشرح القرارات للناس، معتبرًا أن هذا النوع من الخطاب يخفف الفجوة بين المواطن والحكومة ويعيد بناء الثقة.
وغدا من الواضح ان الأزمة ليست في غياب الأرقام، بل في غياب الرؤية والقرار والمساءلة، وأن أي إصلاح اقتصادي قابل للحياة يحتاج خطابًا موحدًا ومكاشفة عامة، وسياسات تحمي القطاعات الإنتاجية وتقلل الاعتماد على المقاصة، ضمن إطار سياسي ومؤسسي يضمن الشفافية والمحاسبة.



