علي محمد فخرو
ها أن الولايات المتحدة الأمريكية قد نجحت في إلباس الشرعية لمشروع رئيسها بشأن حاضر ومستقبل غزة، وقريباً تسليم رئاسة إدارتها إلى هذا الرئيس، وها أن ذلك النجاح قد تم بموافقة عدد كبير من أنظمة الحكم العربية، وبتقديم الوعود بأنها ستشارك أمريكا في تنفيذ ذلك المشروع بشتى الصور والإمكانيات.
ومع ذلك دعنا نطرح السؤال التالي: إذا كانت أمريكا طوال شهر الهدنة الذي مرّ، قد شاهدت الكيان الصهيوني يخرق الهدنة الترامبية، ويستمر في قصف غزة يومياً، فيدمّر ما تبقى من عمار في غزة، ويقتل يومياً عدداً جديداً من أطفال ونساء ورجال غزة المدنيّين المسالمين، ومع ذلك لم تمارس أي ضغط على هذا الكيان وجيشه الإجرامي، بل بالعكس استمرت في تزويد ذلك الجيش بشتى الأسلحة والدعم المالي الذي يسهل قيامه بالإبادة والتدمير، فهلاّ يشير كل ذلك إلى استعداد أمريكي فطري لخضوع نظام الحكم الأمريكي ورئيسه للابتزازات الصهيونية، بشأن إدارة أوضاع غزة في الأيام المقبلة، ورويداً تفريغ مشروع ترامب من كل محتوى فيه لصالح شعب غزة، وجوداً وإدارة وإعماراً ومصيراً؟
هل حقاً أن هذا الرجل الأمريكي، الذي أعطى القدس والجولان للكيان، على الرغم من كل القرارات الدولية بشأن الموضوع الفلسطيني، وعلى الرغم من أنه ضد كل الأعراف الحقوقية والقيمية، يمكن أن يؤتمن ضميره السياسي وتؤمن القيم المشوشة التي يؤمن بها ويقولها علانية، مثل اعتزازه بصهيونيته وادعاءاتها، هل حقاً أنه سيدير أمور غزة بالعدل والإنصاف؟ الأمر نفسه ينطبق على الذين يقررون استثمار مئات المليارات من الدولارات في المستقبل في الاقتصاد الأمريكي، كثمن لوعود يقدمها الرئيس ترامب بشأن بيعهم أسلحة متطورة أمريكية، وعلى الأخص الطائرات، فهل حقاً أنه سيستطيع تنفيذ وعوده أمام رفض شبه إجماعي من قبل أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب الأمريكيّين وأمام التعقيدات الأمريكية القانونية التي ستوجد مبررات برفض صفقة كهذه؟ وهل حقاً سيكسب ترامب الاستثمارات العربية لصالح زيادة حظوظه السياسية في بلاده، بينما ستنتهي الدول العربية التي وثقت بوعوده باستلام اعتذار منه على فشله في تنفيذ وعوده؟ والأمر نفسه ينطبق على الموضوع السوداني: هل يمكن تصور أمريكا، التي ترأس وتقود الجهود التي تدعي بأنها تريد مساعدة السودان على الخروج من محنته، أن تدافع عنه وتحافظ على عروبة السودان ووحدته وانتصار جيشه الشرعي، وهي التي تنسّق مع الكيان الصهيوني في كل خطوة تخطوها؟ ما يجب أن لا ينساه قادة العرب عند تعاملهم الحالي مع رأس القيادة السياسية الأمريكية هي تشخيصات عشرات الكتب التي نشرت في أمريكا حال تسلم دونالد ترامب الحكم عام 2016. وهي كتب كتبها علماء فكر وعلماء علم نفس عنه. أهم ما قالوه هو تشخيصهم لشخصية هذا الإنسان الشديدة النرجسية.
فهل أن هذه الشخصية النرجسية، التي تتصف بالكبرياء والغرور واحتقار الآخرين والغضب السريع والاعتقاد الساذج بأنها تفهم الأمور أكثر من غيرها، وبالتالي تمارس علاقات غير متزنة وغير مستقرة، ستستطيع أن تقود “مجلس السلام” المزمع تكوينه لحكم غزة، إلى اتخاذ قرارات متوازنة ومعقولة في مجتمع بالغ التعقيد وإلى إيقاف النزعات الإجرامية الصهيونية ضمن أي حدود؟ إضافة لذلك فان المسؤولين الأمريكيين المحيطين بترامب غالبيتهم العظمى يؤيدون تأييدا أعمى كل ما يقوم به الكيان الصهيوني، وهم سيلعبون شتى الأدوار والحيل لجعل هذه الخطة الترامبية ليست أكثر من مسرحية، تساهم بألف صورة في إدخال المشروع الأمريكي في متاهات تخدم الأهداف الصهيونية الأساسية، وعلى رأسها منع قيام أي دولة أو وجود فلسطيني في ما تبقى من أرض الضفة الغربية المحتلة. ومثلما سمح من قبل لسلطة الحكم الفلسطينية في تنظيم شرطة أمن فلسطينية، انتهى الأمر بها لأن تكون في خدمة أمن التجمعات الصهيونية، وفي منع أو تقييد لكل مقاومة وطنية فلسطينية لسلطات هذا الكيان ومستوطنيه، فإن كل خطوة لما يسمى “مجلس السلام” ستقع في الفخ نفسه، وتنتهي إلى المصير نفسه.
وأخيراً، فان المفجع أن كل ما وصفنا تم ويتم وسيتم في غياب الحضور الفلسطيني الحقيقي المسموع الكلمة. كيف لا ما دامت كل المحاولات لبناء قيادة فلسطينية مناضلة موحدة ومعبرة عن كل فرد من الشعب الفلسطيني، لا تزال موضوع ثرثرات طيلة ثمانين سنة، لا تنتهي وغياباً كاملاً مخجلاً لوجود هذه الخطوة في الواقع النضالي الفلسطيني. ما أكثر المسرحيات في القصة الفلسطينية المأساوية.




