حذّر متخصصون في الأمن الرقمي وحقوق الفضاء الإلكتروني من تصاعد الهجمات الرقمية الممنهجة التي تستهدف الفلسطينيين منذ بداية العدوان على قطاع غزة، مؤكدين أن الاحتلال الإسرائيلي يبذل جهودًا ضخمة ويموّل حملات عالمية بملايين الدولارات لخلق صورة مضللة وتشويه الرواية الفلسطينية، في مقابل غياب استراتيجية وطنية موحّدة للتصدي لهذه الحرب الجديدة.
جاء ذلك خلال حلقة جديدة من برنامج “حديث الرقيب” التي استضافت فيها الإذاعة كلاً من رهام أبو عيطة مديرة مرصد كاشف، وجلال أبو خاطر مدير السياسات في مركز حملة، إضافة إلى الصحفي المختص بالأمان الرقمي سلطان جحا.
حملات تضليل عالمية تستهدف الفلسطينيين
أوضحت رهام أبو عيطة أن ما يجري منذ بداية الحرب هو “معركة رقمية كاملة ضد الفلسطينيين”، مشيرة إلى أن الاحتلال يقود حملات ضخمة مثل حملة Baliwood التي تدّعي أن صور المجازر في غزة “مفبركة”، وقد استُخدمت فيها مشاهد من مسلسلات، ووقفات احتجاجية قديمة، ومقاطع ساخرة من منصات مختلفة.
وبيّنت أن جزءًا آخر من الحملة يركّز على شيطنة الأطفال الفلسطينيين، عبر اتهام الفلسطينيين بتعليم أطفالهم “العنف والكراهية”، في محاولة لتبرير الجرائم ضدهم، مشيرة إلى أن هذه الفيديوهات حققت مئات الملايين من المشاهدات والتفاعل عالميًا.
كما نبّهت إلى خطورة الحسابات العربية المزوّرة التي يديرها الاحتلال، مثل “هدى جنات”، والتي تُستخدم للتحريض بين الفلسطينيين والعرب عبر محتوى يبدو متضامنًا لكنه موجّه لتأجيج الخلافات والتشكيك في تعاطف الشعوب العربية.
جيوش رقمية وحسابات وهمية
من جانبه، قال جلال أبو خاطر إن السنوات الأخيرة أثبتت قوة الحضور الفلسطيني على منصات التواصل، وقدرة المحتوى الميداني على نقل الحقيقة للعالم رغم التقييد الشديد.
وأشار إلى أن الاحتلال ووزارة الخارجية الإسرائيلية ووزارة شؤون المختربين يمولون جيوشًا رقمية وحسابات وهمية مهمتها نشر التضليل ومهاجمة المحتوى الفلسطيني.
وأكد أبو خاطر أن الضغط على شركات مثل ميتا وتيك توك يهدف إلى “تقليص وصول الرواية الفلسطينية”، مبينًا أن محاولات شراء المنصات أو التأثير في سياساتها تستهدف خنق الصوت الفلسطيني بعد أن أثبت فعاليته في تحريك الرأي العام العالمي.
إعلانات بملايين الدولارات لنفي المجاعة وطمس الجرائم
كشفت أبو عيطة أن الاحتلال أنفق من يونيو حتى سبتمبر هذا العام 45 مليون يورو على إعلانات ممولة عبر “يوتيوب” و“إكس”، جزء كبير منها مخصّص لنفي المجاعة في غزة خلال الفترة التي كان الناس فيها يأكلون الحشائش.
وقالت إن حسابات رسمية تابعة لوزارة الخارجية الإسرائيلية نشرت فيديوهات بـ6 أو 7 لغات، مموّلة بالكامل، لإظهار الطعام متوفرًا في غزة، بينها مشاهد مزيفة أو مقاطع منفصلة لا تعكس الواقع الحقيقي في المناطق المنكوبة.
غياب استراتيجية فلسطينية موحدة
واتفق الضيوف على أن الجهود الفلسطينية الحالية، رغم أهميتها، متفرقة وفردية، ولا ترتقي لمستوى الهجمة المنظمة التي يقودها الاحتلال.
وقالت أبو عيطة:
“نعمل بردة فعل… لا يوجد خطة وطنية أو مظلة إعلامية موحدة، بينما الاحتلال يمتلك ميزانيات ضخمة واستراتيجيات متكاملة”.
وأضافت أن مرصد كاشف ومركز حملة ومبادرات أخرى يعملون بجهود محدودة وبموارد بسيطة، بينما المطلوب “جبهة إعلامية رقمية موحدة” لمواجهة التضليل المستمر الذي يستهدف الوعي الفلسطيني والعربي والعالمي.
خط المواجهة المقبل: وعي، تنظيم، واستباق
واتفق المتخصصون خلال الحلقة على أن الحرب الرقمية لم تعد ثانوية، بل باتت جزءًا أساسيًا من ساحة الصراع، إذ تسعى إسرائيل لتغيير الرواية العالمية، وتقليص التعاطف مع الفلسطينيين، وتشويه الحقائق، وضرب ثقة الناس بأي محتوى قادم من غزة.
وأشاروا إلى أن المرحلة القادمة تتطلب:
-
بناء استراتيجية وطنية موحّدة للتواصل الرقمي
-
تدريب وتأهيل فرق متخصصة
-
إنتاج محتوى موثق واحترافي متعدد اللغات
-
مواجهة التضليل بالوعي والتحقق المستمر
-
تعزيز الأمن الرقمي لدى المستخدمين



