شهدت تل أبيب في الأسابيع الأخيرة ما يشبه “مهرجان الزيارات” لمسؤولين أمريكيين رفيعي المستوى، من الرئيس دونالد ترامب إلى نائبه ووزير الخارجية وعدد من المشرعين، في تحرك غير مسبوق أثار تساؤلات حول دوافعه وأبعاده الإقليمية.
وخلال الشهر الجاري فقط، زار إسرائيل كل من الرئيس ترامب في 13 أكتوبر، ثم ستيف ويتكوف في 20 الشهر، فتبعه نائب الرئيس في 21، ووزير الخارجية ماركو روبيو في 24، إضافة إلى وفد ضخم من الكونغرس الأمريكي، ورئيس مجلس النواب مايك جونسون، ضمن سلسلة لقاءات متلاحقة بدت أبعد من مجرد متابعة “اتفاق ترامب للسلام”.
قلق أمريكي من نوايا نتنياهو
يرى المحلل السياسي محمد القاسم أن هذا الزخم الدبلوماسي لا يمكن فصله عن “قلق حقيقي في الإدارة الأمريكية من نوايا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالعودة إلى الحرب في غزة”، موضحًا أن البيت الأبيض يخشى من فقدان السيطرة على حليفه، الذي “لم يعد يمكن الوثوق بسلوكه أو ضبطه سياسيًا”.
وأشار إلى أن “ترامب يسعى بأي ثمن لإنجاح مبادرته التي يسميها اتفاق سلام، رغم أنها ليست كذلك، بل محاولة لوقف الحرب في غزة مؤقتًا لتحقيق مكاسب سياسية داخلية”. وأضاف أن “نتنياهو يريد استمرار الحرب بعد استعادة الأسرى، بينما يحاول ترامب منعه وإلزامه بالتهدئة”.
رسائل قاسية من واشنطن إلى تل أبيب
القاسم أوضح أن زيارات المسؤولين الأمريكيين حملت “رسائل شديدة اللهجة” إلى نتنياهو، خاصة من نائب الرئيس المنتمي إلى جناح “ماجا” داخل الحزب الجمهوري، الذي عبّر عن رفضه لاستمرار الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل، مؤكدًا مبدأ “أمريكا أولًا”.
أما وزير الخارجية ماركو روبيو، المعروف بتأييده التقليدي لإسرائيل، فقد ركّز خلال لقائه مع نتنياهو على ضرورة التوقف عن طرح قضايا الضم والسيادة، بعد تحذيرات عربية خلال اجتماعات الأمم المتحدة في نيويورك، من أن أي حديث عن الضم سينسف فرص التطبيع والسلام.
إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط
ويرى القاسم أن وراء هذه التحركات “ترتيبات أعمق لإعادة تشكيل النظام السياسي في الشرق الأوسط بعد الحرب على غزة”، مشيرًا إلى أن “المرحلة القادمة قد تشهد بروز وجوه جديدة واختفاء أخرى، إلى جانب محاولات للسيطرة على غزة بوسائل اقتصادية واستثمارية”.
وأوضح أن دولًا خليجية “تستعد لضخ أموال ضخمة في مشاريع على شواطئ غزة، ليس بهدف الإعمار الإنساني بل كمدخل للهيمنة الناعمة على القطاع، وفرض وقائع اقتصادية تخدم مصالحها ومصالح واشنطن”.
تهميش الفلسطينيين والسلطة في رام الله
وأضاف أن “اللافت في الخطاب الأمريكي الجديد هو تهميش الملف الفلسطيني بشكل شبه كامل”، إذ نادرًا ما تُذكر كلمة “فلسطينيين” في تصريحات ترامب أو فريقه، في إشارة إلى “نية متعمدة لتجاوز السلطة الفلسطينية وإضعاف حضورها السياسي”.
وأشار القاسم إلى أن السلطة في رام الله “ما زالت تقدم تنازلات لإرضاء إسرائيل والولايات المتحدة، لكنها باتت خارج الحسابات فعليًا، رغم كل محاولات الاسترضاء”.
ترامب بين المزاجية والمصالح الشخصية
وفي قراءة لشخصية ترامب، وصفه القاسم بأنه “زعيم غير متزن سياسيًا، يحكمه المزاج والمصلحة الاقتصادية”، مضيفًا أن “العالم اليوم رهين لمزاج شخص واحد، يغيّر مواقفه بين ليلة وضحاها، ويتعامل مع القضايا الدولية بعقلية تاجر العقارات لا رجل الدولة”.
وأشار إلى أن ترامب وكوشنر “ينظران إلى غزة كمشروع استثماري مربح، كما استفادا سابقًا من اتفاقيات أبراهام، ويعملان على تحويل أي تهدئة في القطاع إلى مكسب اقتصادي وشخصي”.
اتفاق غامض ومخاوف من تصعيد جديد
واختتم القاسم حديثه بالتأكيد على أن نجاح ما يسمى “اتفاق ترامب” يبقى مفتاح التطورات القادمة في المنطقة، محذرًا من أن “أي فشل في فرض التهدئة أو التفاهمات سيعيد المنطقة إلى المربع الأول، وربما إلى مواجهة جديدة في غزة، وسط مخاوف من استهداف أي قوات دولية قد تُرسل في المستقبل”.




