أكد مدير برنامج دراسات إسرائيل في مركز مدى الكرمل، د. امطانس شحادة، أن الاقتصاد الإسرائيلي يعيش حالة نزيف حقيقية بعد مرور عامين على حرب الإبادة في غزة، مشيرًا إلى أن التصدعات العميقة في البنية الاقتصادية الإسرائيلية ستستمر لسنوات طويلة، رغم الدعم الأميركي والأوروبي الضخم. وأوضح أن القطاعات الأساسية كالزراعة والسياحة والإسكان والتقنيات الحديثة تواجه صعوبة في التعافي، وأن صورة “الاقتصاد المستقر” التي روّجت لها حكومة الاحتلال تهشمت بالكامل.
جاءت تصريحات شحادة خلال حديثه في برنامج “حديث الرقيب”، حيث تناول الأضرار العميقة التي لحقت بالاقتصاد الإسرائيلي منذ اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وما تبعها من توسع الجبهات العسكرية في لبنان وسوريا واليمن وإيران.
وقال شحادة إن تكلفة الحرب المباشرة على إسرائيل بلغت حتى الآن نحو 350 مليار شيكل (100 مليار دولار)، تشمل الإنفاق العسكري والمدني، وإخلاء البلدات الشمالية والجنوبية، وإعادة إعمار المناطق المتضررة. وأضاف أن 50 إلى 60% من هذا الإنفاق تتحمله الإدارة الأميركية عبر دعم مباشر للموازنة الإسرائيلية.
وأشار إلى أن الاقتصاد الإسرائيلي دخل الحرب وهو في حالة متانة نسبية، إلا أن تداعياتها ألحقت به ضربات هيكلية طويلة الأمد، أبرزها ارتفاع الدين الخارجي إلى نحو 7% من الناتج المحلي، وتزايد العجز المالي، وتراجع مكانة إسرائيل الاقتصادية دوليًا، خاصة مع الشركاء الأوروبيين الذين يشكلون نحو 35% من حجم تجارتها الخارجية.
تراجع عالمي ومقاطعة متصاعدة:
ولفت شحادة إلى أن إسرائيل تواجه اليوم مقاطعة غير رسمية في عدة مجالات، تشمل المنتجات الأكاديمية والثقافية والفنية، فضلًا عن إحجام عدد من الشركات الدولية عن الاستثمار أو التعامل التجاري معها، مضيفًا أن “المنتج الإسرائيلي أصبح منبوذًا في العديد من الدول الأوروبية”.
وأكد أن هذا التراجع في العلاقات الاقتصادية العالمية يجعل من الصعب على إسرائيل استعادة صورتها كوجهة آمنة وجاذبة للاستثمار، وأنها باتت “اقتصادًا طاردًا لا جاذبًا”.
القطاعات الأكثر تضررًا:
بيّن شحادة أن قطاعات السياحة، الزراعة، والإسكان كانت الأكثر تضررًا، موضحًا أن السياحة تمثل نحو 4% فقط من الناتج المحلي، لكنها لن تتعافى قريبًا في ظل المقاطعة والرفض الدولي المتزايد لإسرائيل.
أما قطاع الزراعة، فقد حاولت الحكومة تعويض غياب العمالة الفلسطينية بجلب عمال أجانب من شرق آسيا، في حين شهد قطاع البناء ركودًا يصل إلى 50%.
كما أشار إلى تراجع قطاع التقنيات الحديثة (الهايتك) الذي يعد ركيزة أساسية للنمو في إسرائيل، حيث سجل جمودًا واضحًا في التشغيل والاستثمارات خلال العامين الأخيرين، ما يهدد بآثار سلبية متراكمة على المدى المتوسط والبعيد.
تضخم الديون واستمرار الأعباء:
وأوضح شحادة أن ارتفاع الفائدة على القروض الخارجية فاقم الأزمة، إذ أدى إلى زيادة مليارات الشواقل شهريًا في مدفوعات الفوائد الحكومية، مضيفًا أن استمرار ابتزاز الأحزاب الدينية للحكومة عبر تخصيص ميزانيات ضخمة، يضاعف من الأعباء المالية ويمنع أي إصلاح اقتصادي حقيقي.
الشيكل وأسواق الأسهم: “قوة شكلية تخفي هشاشة اقتصادية”:
ورغم التدهور العام، أشار شحادة إلى أن قوة الشيكل وارتفاع مؤشرات الأسهم في بورصة تل أبيب لا تعكس واقع الاقتصاد الحقيقي، بل “تجميل مؤقت تدعمه اعتبارات سياسية ونفسية”.
وقال إن ارتفاع أسهم شركات الصناعات العسكرية والأمنية يعود إلى زيادة صادرات الأسلحة، وإلى استثمارات موجهة سياسيًا من جهات يهودية في الخارج لدعم الاقتصاد الإسرائيلي.
توقعات المرحلة المقبلة:
توقع شحادة أن تتجه إسرائيل خلال المرحلة المقبلة نحو مرحلة من الانكشاف الاقتصادي والسياسي العميق، خاصة مع احتمالات تبكير الانتخابات وفتح ملفات المحاسبة الداخلية.
وأكد أن “الاقتصاد الإسرائيلي لن يعود إلى ما كان عليه قبل السابع من أكتوبر”، وأن أي تعافٍ لن يكون قريبًا حتى لو توقفت الحرب، لأن الأضرار “هيكلية وليست آنية”.
وختم حديثه بالقول إن “الاقتصاد الإسرائيلي لن يتعافى بالأشهر ولا بالسنوات القريبة، وما حدث من تراجع وثغرات ومقاطعة سيتواصل حتى بعد توقف الحرب، وربما لا ينتهي إلا بتغيرات سياسية جوهرية في المنطقة”.



