قال المحلل السياسي د. أمجد الشهاب إن الرد الأخير لحركة حماس على المقترح الأمريكي الإسرائيلي جاء في لحظة حساسة من عمر الحرب على غزة، مؤكدًا أنه لم يكن ردًا تكتيكيًا فحسب، بل موقفًا سياسيًا أعاد خلط الأوراق وقلب الطاولة على تل أبيب، بعدما حاولت واشنطن وتل أبيب فرض “اتفاق إذعان” يهدف لتصفية القضية الفلسطينية تحت غطاء إنساني.
حماس واجهت معادلة الخسارة المزدوجة
أوضح الشهاب أن الحركة وجدت نفسها أمام معادلة صعبة “فإن قالت نعم مطلقة فهي خاسرة، وإن قالت لا مطلقة فهي أيضًا خاسرة”، لذلك جاء الرد بأسلوب دبلوماسي ذكي حافظ على التوازن بين الثوابت والممكنات، مشيرًا إلى أن قطاع غزة يعيش منذ 23 شهرًا تحت حصار خانق وضغوط أمريكية هائلة، ما جعل الموقف السياسي للمقاومة معقدًا ومتعدد الأبعاد.
اتفاق بلا مرجعية ولا ضمانات دولية
وأكد أن المقترح الذي عُرض على حركة حماس “مرفوض جملة وتفصيلًا”، لأنه لا يستند إلى مرجعية سياسية أو قانونية، ولا يتضمن أي دور للأمم المتحدة أو لما يسمى بـ”الشرعية الدولية”، مبينًا أن بنوده صيغت في غرف مغلقة بين رئيس حكومة الاحتلال نتنياهو وعدد من الشخصيات الصهيونية مثل يتسحاق هرتسوغ، وكوشنر، وتوني بلير، الذين شاركوا سابقًا في هندسة مشاريع استسلامية بالمنطقة كصفقة القرن وغزو العراق.
تحويل القضية إلى ملف إنساني
وأشار الشهاب إلى أن جوهر الاتفاق المقترح يقوم على معادلة “الغذاء مقابل الحقوق”، إذ يعِد الاحتلال بتوفير الغذاء والمساعدات الإنسانية مقابل تنازل الفلسطينيين عن حقوقهم السياسية، محذرًا من أن هذه الصيغة تشبه ما جرى في العراق حين استبدلت واشنطن “النفط بالغذاء”، وهي وصفة لتصفية القضية لا لحلّها.
وأضاف:
“يريدون تحويل الفلسطينيين من شعبٍ يسعى لتقرير مصيره إلى مجرد حالة إنسانية تبحث عن المساعدات، وفتح الباب أمام الهجرة، لتفريغ الأرض من سكانها”.
الهدف: إنهاء القضية وليس الحركة
وشدد الشهاب على أن الهدف الحقيقي من هذا الطرح ليس القضاء على حركة حماس، بل القضاء على القضية الفلسطينية برمتها، موضحًا أن تدمير المنازل وقتل المدنيين وتهجير الناس كلها خطوات ممنهجة نحو تصفية الوجود الفلسطيني.
وقال:
“المسألة ليست مسألة حركة، بل قضية شعبٍ بأكمله، يراد شطبه من الجغرافيا والتاريخ”.
غياب الإرادة الدولية وتواطؤ الصمت العربي
وانتقد الشهاب غياب الإرادة الدولية الفاعلة، مؤكدًا أن الدعم الشعبي في الغرب والعالم “لم يترجم حتى اللحظة إلى ضغط سياسي حقيقي على الولايات المتحدة وإسرائيل”، مشيرًا إلى أن المجتمع الدولي يكتفي بامتصاص الغضب و”إلقاء الكرة في الملعب الفلسطيني”، لتحميله مسؤولية رفض ما يسمى بـ”اتفاق السلام”.
كما أشار إلى أن بعض الأنظمة العربية والإسلامية ساهمت، عن قصد أو دون قصد، في تهيئة المناخ لتسويق المبادرات الأمريكية التي وصفها بـ”الاستسلامية”، معتبرًا أن تلك المواقف زادت الإحباط الفلسطيني وأضعفت الموقف الوطني.
أزمة قيادة وانقسام سياسي داخلي
وتطرق الشهاب إلى أزمة القيادة الفلسطينية، قائلاً إن الانقسام السياسي وغياب الشرعية الشعبية والقيادة الموحدة جعل الفلسطينيين بلا مرجعية سياسية قادرة على فرض شروطهم أو الدفاع عن حقوقهم.
وأضاف:
“القيادة الحالية عاجزة تمامًا عن اتخاذ قرارات ثورية أو مواقف حاسمة، والجميع يركز على التخلص من فصيل بدلاً من إنقاذ ما تبقى من القضية”.
الحل: استعادة القرار الفلسطيني المستقل
وختم الشهاب حديثه بالتأكيد على أن الأمل ما زال موجودًا، لكنه مشروط بعودة الفلسطينيين إلى وحدتهم الداخلية وإعادة بناء مؤسساتهم الوطنية، مشددًا على ضرورة سحب الاعتراف باتفاق أوسلو وإنهاء التنسيق الأمني، واستعادة الدور الوطني في إدارة الصراع.
وقال:
“لن ينقذ الفلسطينيين سوى أنفسهم، ولا يمكن أن يبقى الذئب قاضيًا. يجب أن نضرب على الطاولة ونقول نحن أصحاب القضية، ونحن من يقرر مستقبلها”.



