عبد الحليم قنديل
ربما يدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في نوبة هلوسة جديدة على جبهة حرب أوكرانيا، آخر تصريحاته بالخصوص، أنه قد يلتقى الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي على هامش الانعقاد السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة، وبهدف إقناع زيلينسكي بالفرصة الأخيرة لوقف الحرب، وعقد صفقة مرضية لروسيا وزعيمها فلاديمير بوتين، وكان ترامب قد التقى بوتين في قمة ألاسكا 15 أغسطس 2025، وبدا ترامب وقتها مقتنعا بوجهة نظر بوتين، الذي رفض مساعي البدء بوقف إطلاق النار، وطلب التوصل إلى اتفاق سلام شامل أولا، وكان المفهوم وقتها ولا يزال، أن بوتين يطلب أولا تسليما من أوكرانيا والغرب بحقائق الواقع على الأرض، وضم المقاطعات الأوكرانية الأربع (دونيتسك ولوغانسيك وزاباروجيا وخيرسون) مع شبه جزيرة القرم نهائيا إلى روسيا، وهو ما أطلق عليه ترامب وقتها خطة تبادل الأراضي، أي أن تخرج القوات الأوكرانية من منطقة تبقت بيدها في غرب مقاطعة دونيتسك، مقابل أن يعطي بوتين لأوكرانيا قطعا من مساحات إضافية تسيطر عليها روسيا في مقاطعات خاركيف وسومي ودنيبرو بتروفسك.
وعقب عودته من قمة ألاسكا التي عدتها الصحف الأمريكية الكبرى انتصارا خالصا للرئيس الروسي، راح ترامب يجتمع بالقادة الأوروبيين مع زيلينسكي في البيت الأبيض، ويتركهم في انتظاره لإجراء مكالمة ليلية مطولة مع بوتين، عاد بعدها إلى ضيوفه، الذين جلسوا أمامه كأطفال حضانة، وأخبرهم أن الرئيس الروسي وافق على عقد قمة مع الرئيس الأوكراني خلال أسبوعين، وهو ما لم يحدث إلى اليوم، وأغلب الظن أنه لن يحدث قريبا.
ولم يكن مفاجئا مع توالى الأيام والأسابيع، أن يعود ترامب إلى إحباطه الدوري وخيبة أمله من وعود بوتين، الذي واصل تلاعبه بأعصاب ترامب والقادة الأوروبيين معا، بهدف كسب الوقت لحملته الحربية، ونقل الخلافات إلى داخل المعسكر الغربي وحلف شمال الأطلنطي (الناتو)، ولجأت القيادة الروسية إلى تصرفات تكتيكية مدروسة، فلم يعلن قصر الكرملين أبدا عن رفض بوتين لفكرة عقد القمة مع زيلينسكي وترامب معه، واقترح بعد نفاد مهلة الأسبوعين، أن يلتقى بوتين مع زيلينسكي في موسكو، وكان مفهوما أن يعلن زيلينسكي رفضه عقد اللقاء فى عاصمة عدوه، فيما انهمك القادة الأوروبيون المنخرطون في ما يسمى تحالف الراغبين، وهي التسمية ذات الإيحاءات الحميمية لا السياسية، انهمك (الراغبون) في بحث تفاصيل ما سموه ضمانات أمنية لأوكرانيا بعد التوصل لاتفاق السلام، وكانت ردود موسكو الضمنية ظاهرة المغزى الحازم، فروسيا ترفض أي وجود لقوات من دول حلف الناتو وحدها في أوكرانيا، وتعدها تحايلا من باب خلفي على تعهد ترامب، بعدم ضم أوكرانيا أبدا لحلف الأطلنطي، وهو ما جعل ترامب باردا فى طريقة تفاعله مع الحلفاء الأوروبيين، الذين طالبوا واشنطن بالمشاركة الجدية الحامية في الضمانات إياها، ثم تفاقمت خلافات الأوروبيين بشأن فكرة الضمانات المطروحة وحدودها وقواتها والتزاماتها، ثم عاد (الراغبون) إلى المربع الأول، واكتفوا بدفع مئات مليارات الدولارات واليوروات، وبتدفقات السلاح الأوروبي إلى الميدان الأوكراني. وكان نجاح بوتين ظاهرا في تفكيك التحالف الغربي، ما دفعه إلى تصعيد محسوب في سياسة حافة الهاوية، ودخلت عشرات من المسيرات الروسية إلى سماء بولندا غرب أوكرانيا، ثم إلى سماء رومانيا المجاورة، وإن أنكرت موسكو أنها فعلت، بما استثار ردود فعل غاضبة من أعضاء الناتو الأوروبيين، الذين طلبوا كالعادة نجدة من واشنطن، ولم تكن من استجابة محسوسة، سوى بتحليق بعض المقاتلات الفرنسية وغيرها في سماء بولندا، وإعلان الناتو عن تنفيذ خطة يسميها الحارس الشرقي، التي لم تكن سوى تظاهر عسكري خال من المعنى والتأثير الفعلي، ومن دون التورط في فرض منطقة حظر جوي غرب أوكرانيا تستفز روسيا، وبدت التحركات الغربية المحدودة كرد باهت على مناورة عسكرية كبرى دارت في أراضي بيلاروسيا المجاورة لبولندا، شاركت فيها القوات الروسية مع رفيقتها البيلاروسية شبه المندمجة في الكيان العسكري الروسي، وحملت المناورة اسم “الغرب 2025″، وبدت المناورة كأنها تحاكى حربا من حول ممر سوالكي، وهو خط سكك حديدية على حدود بولندا وليتوانيا من أعضاء حلف الناتو، ويصل ممر سوالكي الحيوي بين البر الروسي الرئيسي ومقاطعة كالينينغراد الروسية شمال بحر البلطيق، التي كانت في ما مضى تابعة لأراضي ألمانيا، قبل أن تقتطعها روسيا في الزمن السوفييتي مع نهايات الحرب العالمية الثانية، والمقاطعة هائلة الأهمية في موازين القوة بين روسيا وحلف الناتو، بعد توسعه شرقا، وتبدو كالينينغراد على الخرائط كأنها خنجر روسي مغروس في قلب الغرب، وتحتفظ فيها روسيا بقواعد عسكرية وبميناء عسكري وبمخزونات ضخمة من الأسلحة والصواريخ النووية.
وفي العقيدة الروسية المعمول بها، فإن أي تهديد عسكري لممر سوالكي يعنى فتح الباب لإشعال حرب نووية عالمية، وهو ما تدركه واشنطن كما موسكو، اللتان تريدان تجنب حرب نووية تهدد بإفناء العالم كله 14 مرة على الأقل، وهذا هو المعنى المخيف لنشوب حرب عالمية ثالثة .
وكما تبدو واشنطن مترددة وراغبة في لجم التصعيد العسكري مع روسيا المتحفزة، فإن الإدارة الأمريكية، وترامب بالذات، لا يبدوان راغبين بالمشاركة في فرض عقوبات اقتصادية جديدة على الروس، رغم مطالبات لحوحة من أوكرانيا، وتحالف الراغبين والكونغرس الأمريكي نفسه، فقد جرى فرض 24 ألف عقوبة اقتصادية أوروبية وأمريكية على روسيا، ولم تؤد تلال العقوبات إلى خنق الاقتصاد الروسي، بل تحقق العكس بالضبط، وزاد انتعاش اقتصاد روسيا، وتضاعف إنتاجها الحربي مرات، وترامب ممن يعتقدون أن العقوبات ضد روسيا عديمة الجدوى، وقال ذات مرة قريبة، إن الروس ماكرون وبارعون في تجنب آثار العقوبات، وربما لذلك ماطل ويماطل في التجاوب مع مطالب فرض المزيد من العقوبات، ووضع شروطا تعجيزية للأوروبيين وأعضاء الناتو عموما، وطالبهم بفرض رسوم جمركية تصل لمئة في المئة على الواردات من أصدقاء روسيا، وعلى الصين والهند والبرازيل بالذات، كما طالبهم بوقف استيراد البترول والغاز الطبيعي الروسي، إما مباشرة أو عبر طرف ثالث، وهو طلب تعجيزي لكثير من الأوروبيين والأطلنطيين، فدول مثل تركيا والمجر وسلوفاكيا تعتمد كثيرا على واردات الطاقة الروسية الأرخص سعرا، فوق أن الحروب الجمركية مع الصين والهند تهدد بتدمير أوسع لاقتصادات أوروبا المعانية، وترامب يعرف أن المعنيين لن يقبلوا شروطه المتعسفة طبعا، ويتخذ من رفضهم تكئة لتبرير تقاعسه عن فرض عقوبات جديدة ضد روسيا، فيما يبدو بوتين سعيدا بمنجزاته في خطة تفكيك التحالف الغربي، ويثق بالفشل الأكيد لمحاولات خنق روسيا، التي صارت تتمتع بعلاقات أوثق مع الصاعدين الجدد على خرائط الاقتصاد العالمي، ومع الهند وقبلها الصين، التي تتقدم بثبات إلى عرش العالم في الاقتصاد والسلاح والتكنولوجيا الأعظم تطورا .
وربما لم يعد من عاقل يجادل في مغزى وقائع الميدان الأوكراني، فقد حققت روسيا نصرها الظاهر على 54 دولة واجهتها في الحرب الهجينة، وأعادت إثبات القاعدة العامة السارية في حروب روسيا الوجودية، وهى أن الروس ينهزمون مرات قبل الانتصار النهائي، وهكذا كان الحال في المفاصل الكبرى، من حرب نابليون على روسيا، أوائل القرن التاسع عشر، إلى حملة بارباروسا الهتلرية في أربعينيات القرن العشرين، وهو ما عادت بعض ملامحه للظهور مجددا في الحرب الجارية المتصلة من نحو أربع سنوات، التي يطلق عليها بوتين تسمية الحملة العسكرية الخاصة، دونما اضطرار لإعلان حالة طوارئ أو التعبئة العامة بنسبة تتجاوز 1% لا غير، وجرت في الحرب تراجعات وانتكاسات روسية موقوتة المدى، وصلت في ذروتها لاحتلال ألف كيلومتر مربع من مقاطعة كورسك الروسية على مدى شهور، إضافة لغارات المسيرات الأوكرانية على قواعد القاذفات بعيدة المدى ومصافي البترول الروسية، لكن موسكو أثبتت مقدرة لا تنفد على التحمل، ثم استئناف المبادرة في الميدان من جديد، وكان اللافت في وعي وذكاء بوتين، أنه جعل من حرب أوكرانيا حدثا ملتصقا بحركة التحول من عالم القطبية الأمريكية الوحيدة إلى العالم متعدد الأقطاب، ووضع روسيا في قلب التحول الذي تقوده الصين منذ عقود، وجاءت حرب أوكرانيا كاشفة لا منشئة لملامحه، التي تكاثرت أماراتها في شرق العالم وجنوبه، وتكاد لا تستثني سوى غالب افريقيا وعالمنا العربي، الذي خرج من حساب التاريخ المتحول قبل نصف قرن، ولم تكن دوله طرفا فعالا في قفزات العلم والإنتاج والتصنيع والتكنولوجيا والتجدد الحضاري الذاتي لا المستعارة قشوره، ومن ثم سقطنا في الثقب الأسود، وفي ظلمات الاستعباد الأمريكي الإسرائيلي، وإلى أن يقضى الله أمرا كان مفعولا بنا وبهم .




