خاص الرقيب
حذّر الخبير الاقتصادي والمالي د. ياسر شاهين من أنّ الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها الفلسطينيون اليوم ليست وليدة اللحظة، بل نتيجة تراكمات منهجية وأخطاء استراتيجية منذ توقيع اتفاقية أوسلو وبروتوكول باريس الاقتصادي، إضافة إلى سياسات الاحتلال التي وصفها بـ”هندسة الفوضى المالية” لإخضاع الفلسطينيين. جاء ذلك خلال لقاء مطوّل في برنامج “حديث الرقيب” الذي يقدّمه الإعلامي طلعت علوي، حيث ناقش الضغوط المالية، ضعف الدعم العربي، ودور الحكومات الفلسطينية السابقة في تعميق الأزمات.
الأزمة المالية الحالية: حصار اقتصادي ممنهج
أوضح شاهين أنّ الاحتلال الإسرائيلي تمكّن من التحكم في معظم المفاصل الاقتصادية الفلسطينية، قائلاً:
-
“70% من الإيرادات الفلسطينية و90% من الكهرباء والمياه تحت السيطرة الإسرائيلية”.
-
أشار إلى أنّ إيرادات المقاصة التي تمثل الشريان الرئيسي لميزانية السلطة تحوّلت إلى أداة ابتزاز، بحيث يمكن لإسرائيل وقفها أو حجزها متى أرادت.
-
توقف أكثر من 14 راتبًا للقطاع العام انعكس مباشرة على القطاع الخاص، الذي يعمل حاليًا بأقل من نصف طاقته.
كما شدّد على أنّ رهن الاقتصاد الفلسطيني بالواردات الإسرائيلية كان خطأً استراتيجيًا، إذ تجاوزت قيمة الواردات 9 مليارات دولار مقابل صادرات لا تتعدى 1.5 مليار.
جذور الأزمة: من أوسلو إلى سياسات الحكومات
بحسب شاهين، فإنّ اتفاقية باريس حملت بذور الأزمة منذ البداية، حيث اعتمدت على تمويل الحكومة الفلسطينية من جيوب المواطنين بدل تحميل المجتمع الدولي مسؤولية المرحلة الانتقالية.
-
الحكومات المتعاقبة فشلت في بناء اقتصاد مستقل تحت الاحتلال.
-
غياب التخطيط الاستراتيجي والسيناريوهات البديلة جعل الفلسطينيين رهينة لأي إجراء إسرائيلي.
-
أضاف: “الحكومات الفلسطينية كانت تشتغل على مبدأ التيكاوي: وعود دون محاسبة”، منتقدًا غياب الرقابة والمحاسبة البرلمانية وتراخي السلطة القضائية.
ضعف الإعلام والدعم العربي
تطرّق شاهين إلى تراجع الدعم العربي الرسمي والشعبي، مشيرًا إلى أنّ الفلسطينيين لم يحسنوا استثمار علاقاتهم التاريخية مع العرب ولا مع الأوروبيين:
-
“غياب المصارحة والمتابعة أفقدنا ثقة أشقائنا العرب”.
-
قارن بين المظاهرات الشعبية الكبيرة في أوروبا لدعم فلسطين وبين ضعف الحراك الشعبي العربي.
-
انتقد الإعلام الفلسطيني الرسمي، واصفًا أداءه بالضعيف وغير القادر على التأثير في الرأي العام الدولي:
“إعلامنا جرّنا إلى خلافات جانبية بدل أن يوحّد الرواية الفلسطينية”.
الاحتلال والحرب الاقتصادية: سلاح جديد للتركيع
شدّد الضيف والمذيع على أنّ الحصار الاقتصادي الذي يعيشه الفلسطينيون هو امتداد للحرب السياسية والعسكرية:
-
“إن لم يركّعونا سياسيًا، يحاولون اليوم إخضاعنا اقتصاديًا”.
-
الحرب الاقتصادية تستهدف إرادة الصمود الفلسطيني، إلا أنّ الشعب الفلسطيني أثبت تكيفه وقدرته على الصمود في أصعب الظروف، بحسب شاهين.
مقترحات للخروج من الأزمة
قدّم شاهين عدّة مداخل لإحداث تغيير:
-
المصارحة والشفافية: عقد مؤتمر صحفي أسبوعي للحكومة لشرح المستجدات الاقتصادية.
-
إعادة بناء الثقة العربية: تفعيل العلاقات مع الدول العربية ودعم شبكة أمان مالية حقيقية.
-
إصلاح المنظومة السياسية والاقتصادية: تفعيل السلطة التشريعية والقضائية ومحاسبة الحكومات السابقة.
-
تنويع الاقتصاد المحلي وتقليل التبعية للواردات الإسرائيلية.
-
استثمار مقومات الصمود الشعبي في بناء مشاريع إنتاجية مستدامة.
يؤكد هذا النقاش أنّ الأزمة المالية الفلسطينية ليست أزمة عابرة بل هي نتاج حصار ممنهج وتراكمات سياسية واقتصادية داخلية، وسط غياب تخطيط فعّال ودعم عربي كافٍ. وبرغم الظروف القاسية، شدّد المشاركون في اللقاء على أنّ الشعب الفلسطيني شعب يحب الحياة ويستطيع النهوض من تحت الركام، لكن ذلك يتطلب شفافية سياسية، وإصلاحات اقتصادية، واستثمارًا أفضل لمقومات الصمود الوطني.



