لطالما كانت الرواية الإسرائيلية تتصدر المشهد الإعلامي الغربي لعقود طويلة. منذ 1948 ، هيمنت آلة دعائية ضخمة على وسائل الإعلام في الغرب، تصف الاحتلال بأنه “دفاع عن النفس”، وتصف الضحايا بأنهم “معتدون”. لكن هذه الصورة بدأت تتصدع ولن تعود كما كانت.
مؤخرا، ومع تسارع الأحداث في غزة والضفة الغربية، ظهرت علامات واضحة على تغير المزاج الشعبي الأوروبي والأمريكي تجاه القضية الفلسطينية. وهذا التغير لم يأتِ من فراغ؛ بل جاء كنتيجة مباشرة لفشل حملات التضليل المتكررة، وظهور الإعلام البديل، وانتشار الصور والمقاطع الحية التي لا يمكن التلاعب بها.
في السابق، كانت ماكينة الإعلام الإسرائيلي تعتمد على خطابات جاهزة: “إسرائيل تدافع عن نفسها”، و”الفلسطينيون يرفضون السلام”. هذه العبارات كانت تلقى رواجًا في الصحف الكبرى وشاشات التلفزيون في الغرب مع كل اسف.
لكن مع تزايد المشاهد اليومية للقصف على المدنيين، وتهديم البيوت فوق رؤوس ساكنيها، وصور الأطفال تحت الأنقاض، بدأت هذه الأكاذيب تتآكل أمام الحقيقة.
في عام 2024 وحده، سجلت استطلاعات الرأي في أمريكا ارتفاعًا غير مسبوق في نسبة التأييد لحقوق الفلسطينيين بين الشباب تحت سن الثلاثين، بل وحتى بين بعض شرائح الجاليات اليهودية التقدمية. وفي أوروبا، باتت التظاهرات المؤيدة لفلسطين مشهدًا متكرراً في العواصم الكبرى.
لا يمكن الحديث عن هذا التحول دون التطرق إلى دور وسائل التواصل الاجتماعي الذي ساهم بالنسبة الاكبر في انقلاب الراي العام. واليوم، لم يعد الخبر محصورًا في يد محرري الصحف الكبرى أو شاشات القنوات الممولة سياسيًا. المواطن العادي أصبح شاهدًا ومُخبرًا وصحفيًا في ذات الوقت.
فيديوهات القصف، مشاهد اقتحام الأقصى، أصوات الأمهات الثكالى، كل هذه المواد باتت تصل مباشرة إلى شاشات الهواتف المحمولة في باريس ونيويورك وبروكسل.
هذا التحول أفشل كثيرًا من محاولات التضليل الإعلامي التي كانت تعتمد على الرواية المنفردة.
الدراسات الحديثة ايضا تظهر أن الأجيال الجديدة في الغرب أقل تقبلاً للروايات الجاهزة. فهم يطرحون الأسئلة، ويفتشون عن المصادر، ويتابعون الصحفيين المستقلين.
وسائل الإعلام التقليدية لم تعد قادرة على فرض أجندتها بسهولة، وهذا يفتح المجال أمام سردية فلسطينية أكثر عدلاً وإنسانية.
ما يجري اليوم هو جزء من معركة طويلة على الرأي العام، وهي معركة لا تقل أهمية عن المعارك السياسية أو العسكرية.
التضليل الإعلامي قد يؤخر الحقيقة لكنه لا يستطيع دفنها إلى الأبد.
ومع تسارع الكشف عن الانتهاكات والجرائم اليومية في فلسطين، أصبح واضحًا أن القلوب والعقول في الغرب بدأت تميل أكثر للحق الفلسطيني، ولو بعد عقود من التعتيم.
ربما لم يتغير الموقف الرسمي للحكومات الغربية كثيرًا حتى الآن، لكن معركة الوعي مستمرة وستؤدي الى انقلاب في الحكومات الغربية نفسها التي غدت اليوم تخشى على نفسها بعد ان تعرت سياسيا امام شعوبها.




