بقلم . د . سناء عواد .
بين فلسطين والعالم، يقف “معبر الكرامة” شاهداً على واحدة من أشدّ صور المعاناة اليومية للفلسطينيين. هو بوابة يفترض أن تكون للحياة والكرامة، لكنها تحولت إلى مساحة للانتظار الطويل، والتمييز الطبقي، والفساد الصامت.
في هذا المكان الذي يعبره يوميًا آلاف المسافرين، يتكرّس مشهد من الفوضى والتعب، حيث تُقاس الكرامة بالقدرة على الدفع، وتتحدد سرعة عبورك بما في جيبك لا بما في وثائقك.
مهربو الدخان… الطريق السهل مفتوح
فئة معلومة للجميع، تتنقل يوميًا دون قيود: تُجار دخان، معسل، أدوية، وعطور، يتنقلون بسهولة، تُخصص لهم حافلات، ولا تقترب منهم إجراءات التفتيش. في المقابل، يُترك المواطن العادي في طوابير لا تنتهي، مرهقًا من الانتظار والضياع.
الحج والعمرة والسفر… تنظيم غائب
قوافل المعتمرين والمسافرين تشهد فوضى في المواعيد، واختناقات كبيرة، نتيجة غياب التنسيق الفعّال بين الجهات المعنية وشركات النقل. النتيجة: تكدّس المسافرين، تأخير الرحلات، ومعاناة لا تقلّ عن لحظة الوصول.
الـ VIP… خدمة لمن يملك
الخدمة التي تُسمى “VIP” باتت وجهًا آخر للطبقية. من يدفع أكثر، يحظى بخدمات سريعة وعبور سهل. شركات خاصة تجني أرباحًا ضخمة من جيب المواطن المرهق، وتُكرّس مشهدًا يُشبه تمامًا ما يحدث في أنظمة لا تعرف المساواة.
سوق سوداء لتذاكر “جت”
منصة الحجز المسبق، التي أُنشئت لتنظيم السفر، أصبحت مصدرًا جديدًا لمعاناة المسافرين. هناك من يشتري تذاكر باص “جت” بسعرها الرسمي (7 دنانير)، ثم يبيعها بعشرات الأضعاف (50 – 70 دينارًا) لمن لم يسجّل مسبقًا، في ظل غياب رقابة حقيقية أو حلول عادلة.
المساعدة مقابل المال
شهادات عديدة من مسافرين تشير إلى أن معظم العاملين في مرافق المعبر بالجانب الأردني لا يقدمون المساعدة – حتى في أبسط الأمور – إلا مقابل مبالغ مالية. من حمل الحقائب إلى تسريع الإجراءات، المال صار جواز المرور غير الرسمي.
الشنط تختفي… ثم تعود بثمن
فقدان الحقائب في الجانب الأردني وتعرضها للسرقة أو التلاعب بات أمرًا متكررًا، وسط حديث متزايد عن مساومات تُجرى مع أصحابها لإعادتها مقابل مبالغ مالية. غياب الرقابة والمتابعة جعل هذه الظاهرة تتكرّر دون محاسبة .
أسئلة مستحقة:
🔹 لماذا لا يُفعّل التنسيق الكامل بين الجهات الفلسطينية والأردنية لضبط العمل في المعبر وتطويره بما يليق بالإنسان؟
🔹 من يراقب عمل شركات الـVIP؟ ومن يحدّد أسعارها؟
🔹 أين الرقابة على السوق السوداء المرتبطة بتذاكر السفر؟
🔹 من يحمي المسافر من الرشوة، ومن يضمن حقوقه عند سرقة حقائبه أو تعطيل سفره؟
🔹 لماذا يدفع المواطن ضريبة عند مغادرة وطنه؟ وأين تذهب هذه الأموال؟
إلى الحكومة الفلسطينية والأردنية .
الأزمة قديمة، نعم. ولكن استمرارها هو مسؤوليتكم.
المطلوب ليس معجزة، بل إدارة نزيهة، تنظيم فعال، وتعاون مهني مع كل الأطراف ذات العلاقة.
يتوجب عليكم الضغط من خلال العلاقات الدبلوماسية على إسرائيل لفتح الجسر 24 ساعة ، وتسهيل إجراءات السفر.
لا يمكن بناء الثقة بالمؤسسات أو التأسيس لدولة إن لم ننجح في تنظيم معبر حدودي واحد.
ختامًا:
“معبر الكرامة” لم يعد يعكس اسمه.
هو جسرٌ يفضح فوضى الداخل أكثر مما يكشف عوائق الخارج.
آن الأوان لإعادة الاعتبار له، ليصبح معبرًا للكرامة لا بوابةً للذلّ .




