بدر زماعرة
لم تعد الإبادة تُختزل اليوم في الإبادة الجسدية أو المادية للجماعات فحسب، بل اتسع المفهوم ليشمل ما يُعرف بـ”الإبادة الثقافية” (Cultural Genocide)، أي تدمير مقومات وهوية الجماعة المستهدفة على الصعيد الرمزي، المعنوي، والتاريخي. وفي الحالة الفلسطينية، تُمارس هذه الإبادة بشكل ممنهج، مركّب، ومتعدد الأدوات، ويُعدّ قطاع غزة اليوم نموذجًا صارخًا وصوتا مدويا على ذلك.
تشكل الإبادة الثقافية جزءًا لا يتجزأ من استراتيجيات الحروب الحديثة، وهذا النهج يعد أحد أخطر انتهاكات حقوق الإنسان بعد قتل الانسان، إذ يهدف إلى تدمير الروابط الثقافية والرموز التاريخية التي تمثل إرثًا جماعيًا للأمم والشعوب. في السياق الفلسطيني، تُعدّ الإبادة الثقافية التي تنتهجها إسرائيل ضد قطاع غزة مثالًا واضحًا على هذه الاستراتيجية، حيث تركز الهجمات العسكرية على استهداف المعالم الثقافية والتعليمية والدينية في محاولة لطمس الهوية الفلسطينية.
وفقًا للقانون الدولي، تُعتبر الإبادة الثقافية جريمة جسيمة تتضمن تدمير التراث الثقافي لشعب معين كجزء من محاولات القضاء على هويته الثقافية. من أهم الاتفاقيات الدولية التي تحظر هذه الممارسات اتفاقية حماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح لعام 1954 والبروتوكولات الملحقة بها، والتي تعتبر تدمير المواقع الثقافية والآثار جريمة حرب. إضافةً إلى ذلك، اتفاقية اليونسكو لعام 1970 تحظر الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية وتفرض حماية خاصة على المواقع التراثية.ومحو الذاكرة الجمعية عبر تدمير الأرشيفات، المتاحف، ودور الثقافة.
ومنع الفلسطينيين من التعبير عن هويتهم من خلال محاربة الرموز، كالعلم الفلسطيني، والأغاني التراثية، واللباس التقليدي.
تشير الأدلة إلى أن الاحتلال الإسرائيلي استخدم القوة العسكرية لتدمير عدد كبير من المراكز الثقافية والتعليمية في غزة، والتي تعد من أبرز مكونات الهوية الفلسطينية. الهجمات على المتاحف، المكتبات، المراكز الثقافية، والجامعات تتجاوز مجرد التدمير المادي لهذه المنشآت؛ فهي تهدف إلى محو الإرث التاريخي والثقافي الذي يربط الأجيال القادمة بتاريخها وتراثها.
على سبيل المثال، الهجوم على المتحف الوطني في “قصر الباشا” ومتاحف أخرى في غزة مثل متحف دير البلح ومتحف رفح أدى إلى تدمير وسرقة الآلاف من القطع الأثرية التي تعود لحقبات تاريخية هامة. هذه القطع الأثرية لا تقدر بثمن كونها تمثل مراحل مختلفة من التاريخ الفلسطيني، ومن ثم فإن تدميرها يمثل خسارة فادحة للتراث الإنساني. وتُشير التقارير إلى تدمير أكثر من 400 مؤسسة تعليمية وثقافية، منها 14 مكتبة عامة، و12 دارًا للعرض المسرحي، فضلًا عن محو حارات تاريخية بأكملها كانت تشكّل شاهدًا حضاريًا على الاستمرارية الثقافية في غزة.
إلى جانب استهداف المعالم الثقافية، تمثّل المؤسسات التعليمية والدينية جزءًا لا يتجزأ من الهوية الثقافية لأي شعب. في غزة، تم تدمير مئات المدارس والجامعات، بما في ذلك مكتباتها وأرشيفاتها التي تحتوي على مراجع ومخطوطات نادرة. تدمير هذه المؤسسات يهدف إلى تقويض إمكانية نقل المعرفة والتراث للأجيال القادمة، مما يزيد من حدة آثار الإبادة الثقافية.
كما تعرضت دور العبادة، سواء كانت مساجد أو كنائس، إلى هجمات مباشرة. المسجد العمري في غزة، الذي يعدّ أحد أقدم المساجد في فلسطين التاريخية، وكنيسة القديس برفيريوس تعرضا للتدمير، مما يشير إلى أن الاحتلال يستهدف الهوية الدينية والتراث الروحي للشعب الفلسطيني كجزء من استراتيجية أوسع لطمس معالم وجوده.
إن استهداف التراث الثقافي يتجاوز مجرد تدمير الممتلكات إلى انتهاك صريح للحقوق الثقافية التي تحميها المادة 27 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي تكفل لكل فرد الحق في المشاركة في الحياة الثقافية لمجتمعه. كما أن العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية يحظر انتهاك التراث الثقافي كجزء من حقوق الشعوب.
وفقًا للقانون الدولي الإنساني، يمكن اعتبار هذه الانتهاكات جريمة حرب. المحكمة الجنائية الدولية (ICC) لديها ولاية قضائية لمحاكمة الأفراد المتهمين بارتكاب جرائم حرب، بما في ذلك تدمير الممتلكات الثقافية. في عام 2016، حكمت المحكمة على أحمد الفقي المهدي بالسجن لتدميره مواقع تراثية في مالي، مما يشكل سابقة قانونية يمكن تطبيقها في السياق الفلسطيني.
الإبادة الثقافية هي سلاح خفي ولكنه فعال في حروب الإبادة والاحتلال، حيث تسعى إلى تدمير الأسس الثقافية للشعوب بهدف إضعاف هويتها الوطنية وزعزعة قدرتها على الصمود. وفي الحالة الفلسطينية، فإن استهداف الاحتلال الإسرائيلي للمعالم الثقافية والتاريخية والتعليمية والدينية يمثل جريمة متعددة الأبعاد تستدعي موقفًا دوليًا صارمًا لضمان حماية التراث الثقافي ومنع تكرار هذه الجرائم. تفعيل الآليات القانونية الدولية مثل المحكمة الجنائية الدولية واليونسكو يعتبر خطوة ضرورية لتحقيق العدالة وضمان محاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم.
رغم أن اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948 لم تدرج الإبادة الثقافية ضمن نصوصها الملزمة، إلا أن الفقه الدولي المعاصر، كما كرّسته أحكام المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا ورواندا، قد أقرّ بتوسّع هذا المفهوم ليشمل الهجمات الممنهجة على الرموز، الذاكرة، التعليم، والموروثات الثقافية للشعوب الأصلية. وقد أوصى المقررون الخاصون للأمم المتحدة، لا سيما في مجال الحقوق الثقافية، بإدراج الأذى المتعمد ضد الهوية الثقافية في خانة “الجرائم الدولية”.
رغم الصعوبات البنيوية في مقاضاة جريمة الإبادة الثقافية دوليًا، يمكن للفلسطينيين البناء على:
المادة الثامنة من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية التي تجرّم تدمير الممتلكات الثقافية خلال النزاعات المسلحة.
اتفاقية لاهاي 1954 لحماية الممتلكات الثقافية في حال النزاع المسلح.
اتفاقيات حقوق الإنسان التي تنص على الحق في التعليم والثقافة.
ويمكن إعداد ملف قانوني يُدرج الممارسات الإسرائيلية ضمن “سياسة ممنهجة للمحو الثقافي”، مع ربط ذلك بالتطهير العرقي والإبادة البيئية والجسدية، كما هو موثّق في غزة والقدس والضفة الغربية.
* باحث في القانون العام وخبير في حقوق الإنسان




