تحقيق الرقيب:
لسنوات طويلة، جرى تسويق الأزمة المالية الفلسطينية على أنها أزمة مؤقتة، مرتبطة بظروف سياسية استثنائية أو بتراجع المساعدات الخارجية. غير أن التدقيق في المعطيات المالية يكشف أن هذا الخطاب يُخفي حقيقة أكثر خطورة: ما تواجهه السلطة الفلسطينية هو اختناق مالي بنيوي، نتج عن خيارات اقتصادية متراكمة، لا عن أحداث عابرة.
تشير البيانات المالية إلى أن العجز والدَّين والتأخيرات المتراكمة تجاوزت 15 مليار دولار، تشمل التزامات متراكمة للقطاع الخاص، وديونًا لصناديق التقاعد، وعجزًا مزمنًا في الموازنة الجارية، ما ينفي تمامًا فرضية “الأزمة المؤقتة”.
المقاصة: من إيراد مالي إلى أداة خنق سياسي
تمثّل أموال المقاصة ما يقارب 75% من الإيرادات العامة للسلطة الفلسطينية، وهو ما يجعل أي حديث عن استقلال مالي دون المساس بها ضربًا من الوهم. عمليًا، تحوّلت المقاصة إلى أداة ضغط تُستخدم عند كل توتر سياسي، عبر الاحتجاز أو الاقتطاع، فيما جرى تطبيع هذا الواقع إعلاميًا باعتباره “إجراءً إداريًا”.
هذا التوصيف يُعدّ تضليلًا واضحًا، إذ إن ربط 75% من الإيرادات بقرار إسرائيلي يعني غياب أي سيادة مالية حقيقية.
العجز الحقيقي: ديون للبنوك تتجاوز 3 مليارات دولار
أحد أكثر جوانب الأزمة تغييبًا هو حجم ديون الحكومة الفلسطينية للمصارف المحلية، والتي تجاوزت 3 مليارات دولار. هذه الديون لم تُستخدم لبناء قاعدة إنتاجية أو مشاريع تنموية، بل لتغطية النفقات الجارية وسدّ فجوات مؤقتة في الرواتب والالتزامات.
وبذلك، لم تعد الأزمة محصورة في المالية العامة فقط، بل امتدّت لتشكّل خطرًا على الاستقرار المصرفي نفسه، وربطت سلامة الجهاز البنكي بقدرة الحكومة على الاستدانة المستمرة.
التضليل الأكبر: لا بديل عن المقاصة
جرى الترويج على نطاق واسع لفكرة مفادها أن لا بديل عمليًا عن أموال المقاصة، وأن الانفكاك الاقتصادي “شعار غير قابل للتطبيق”. هذا الطرح يتجاهل حقيقة أن الاقتصاد الفلسطيني يمتلك قدرة إنتاجية معطّلة، لا غائبة.
تشير تقديرات خبراء اقتصاديين إلى أن الصناعة الفلسطينية قادرة، في حال توفّرت لها الحماية والدعم، على إحلال ما لا يقل عن 50% من السلع المستوردة من إسرائيل، وهو ما يترجم ماليًا إلى تقليص التبعية بقيمة قد تصل إلى 1 مليار دولار سنويًا.
صناعة مُحاصَرة… ثم مُتَّهمة بالفشل
بدل التعامل مع الصناعة بوصفها مخرجًا استراتيجيًا من الأزمة، تُركت تواجه قيودًا مركّبة: غياب الحماية الجمركية، ارتفاع كلفة الإنتاج، ضعف التسهيلات الضريبية والتمويلية، إضافة إلى القيود الإسرائيلية على المواد الخام والتصدير.
ورغم هذه الظروف، جرى تحميل الصناعة مسؤولية عدم قدرتها على المنافسة، في تجاهل تام لواقع أن المنافسة فُرضت في سوق مفتوحة أمام المنتج الإسرائيلي، دون أي أدوات حماية للمنتج الوطني.
سياسة دعم معكوسة: دعم الاستيراد بدل الإنتاج
تكشف السياسات المالية المتّبعة خللًا بنيويًا في توجيه الدعم. ففي الوقت الذي لا تُنتَج فيه بعض السلع المدعومة محليًا، تُترك السلع التي تشكّل نحو 70% من واردات الفلسطينيين من إسرائيل بلا أي سياسة إحلال أو دعم إنتاجي.
هذا التناقض يعكس غياب رؤية اقتصادية وطنية، ويؤكد استمرار نموذج اقتصادي قائم على الاستيراد والجباية، لا على التصنيع والتشغيل.
القروض ليست حلًا… بل تعميق للأزمة
رغم تسويق القروض باعتبارها مخرجًا للأزمة، تُظهر الأرقام أن الاقتراض، دون تغيير جوهري في النموذج الاقتصادي، لم يؤدِّ إلا إلى تعميق الاختناق المالي. فارتفاع الدين العام، وتجاوز ديون البنوك 3 مليارات دولار، لم يقابله أي توسّع إنتاجي حقيقي، ما جعل القروض أداة لإدارة الأزمة، لا لحلّها.
ما الذي جرى إخفاؤه عن الرأي العام؟
المسألة الجوهرية التي جرى تغييبها هي أن الأزمة المالية ليست نتيجة نقص الموارد فقط، بل نتيجة خيارات اقتصادية واضحة: تهميش الصناعة، تكريس الاستيراد، والارتهان للمقاصة. في هذا السياق، تحوّل التضليل الاقتصادي إلى سياسة غير معلنة، تُستخدم لتبرير العجز بدل معالجته.
الخلاصة: الصناعة ليست خيارًا… بل ضرورة مالية
يخلص محقّق الرقيب إلى أن الأزمة المالية الفلسطينية ليست لغزًا، بل نتيجة مسار يمكن كسره. دعم الصناعة الوطنية ليس ترفًا ولا شعارًا، بل ضرورة اقتصادية قادرة على:
-
تقليص التبعية للمقاصة.
-
توفير نحو 1 مليار دولار سنويًا.
-
تخفيف الضغط عن الموازنة.
-
تقليص الحاجة إلى الاقتراض.
أما الاستمرار في إدارة الأزمة عبر القروض والمقاصة، فلن يؤدّي إلا إلى تعميق العجز الذي تجاوز 15 مليار دولار، وترسيخ الاحتلال الاقتصادي تحت مسمّيات مختلفة.




