90% من الكهرباء مستوردة من الاحتلال رغم وفرة الشمس؟!
هل فشلت الحكومات المتعاقبة في تحقيق الاستقلال الاقتصادي؟
خاص الرقيب – دانية عبد الفتاح
هذا التساؤل يعكس واقعًا اقتصاديًا ضاغطًا تعيشه فلسطين منذ سنوات، في ظل منظومة احتلال تتحكم بمفاصل الاقتصاد، وتقيد نموه وتطوره. وبينما ترفع الحكومات الفلسطينية المتعاقبة شعار “الانفكاك الاقتصادي”، يبقى التنفيذ غائبًا، وتبقى حياة المواطن الفلسطيني مرهونة بسياسات الجباية والاعتماد على المورد الإسرائيلي.
الحصار الاقتصادي المفروض على الفلسطينيين لا يتمثل فقط في تقييد الحركة أو حجز الأموال، بل يمتد إلى أدوات ضغط سياسية واقتصادية عميقة، تُستخدم لتركيع الشعب الفلسطيني، وقبول الإملاءات المفروضة عليه من الخارج. هذا ما يؤكده المهندس أسامة عمرو، أمين سر اتحاد صناعات الطاقة المتجددة في لقاء مسجل لإذاعة الرقيب، الذي يرى أن “ما نشهده الان؟ ليس أزمة مالية فقط، بل حصار ممنهج يستهدف قدرتنا على بناء اقتصاد وطني مستقل”.
حكومات بلا رؤية.. وقرارات بلا تنفيذ
رغم الخطابات السياسية المتكررة حول ضرورة الانفكاك الاقتصادي، إلا أن الواقع على الأرض يُظهر عجزًا حقيقيًا في ترجمة هذه الخطط إلى سياسات فعّالة. يقول عمرو “جميع الحكومات رفعت شعار الانفكاك، لكنها لم تفعل شيئًا. ما زلنا حتى اليوم نستورد 90% من الكهرباء من الاحتلال، وندفع أغلى فاتورة كهرباء في المنطقة.” هذه النسبة لا تعكس فقط عمق التبعية، بل تُظهر حجم الفرص المهدورة في قطاع الطاقة تحديدًا، والذي يُعد من أهم مفاتيح الاستقلال الاقتصادي.
من جهة أخرى، يشير عمرو إلى أن فلسطين تستورد نحو 70% من المنتجات الزراعية من الاحتلال، رغم وجود أراضٍ خصبة وكوادر بشرية مؤهلة. هذا الاعتماد المفرط يتناقض مع خطاب السيادة الغذائية، ويكشف عن غياب رؤية استراتيجية في دعم الزراعة المحلية.
أما على صعيد الاستثمار في الطاقة، فتشير البيانات إلى أن مشاريع الطاقة الشمسية القائمة لا تغطي أكثر من 3% من احتياجات الطاقة في الضفة الغربية، رغم أن الدراسات تؤكد إمكانية الوصول إلى تغطية 40% من الاحتياج المحلي عبر مشاريع الطاقة المتجددة إذا توفرت الإرادة السياسية والدعم المناسب.
فرص غير مستغلة.. والطاقة المتجددة مثالاً
أحد أبرز الأمثلة على الفشل في استثمار الفرص هو قطاع الطاقة المتجددة. ورغم أن فلسطين تتمتع بإشعاع شمسي قوي يتجاوز 300 يوم مشمس في السنة، إلا أن الحكومة الفلسطينية لم تُوظّف هذا المورد الاستراتيجي لتقليل التبعية للكهرباء الإسرائيلية. في المقابل، يتم فرض قيود تنظيمية ومالية تعيق انتشار المشاريع، مثل تحديد سقوف الإنتاج أو منع إنشاء محطات كبيرة بحجة “تنظيم السوق”.
ويقول عمرو إن تكلفة إنشاء مشروع طاقة شمسية يغطي احتياج منزل فلسطيني لا تتجاوز 5000 دولار، ويمكن استرداد قيمته خلال 4 سنوات فقط، لكن غياب الحوافز اضافة للإجراءات البيروقراطية المعقدة يجعل من هذه المشاريع عبئًا على المواطن بدل أن تكون فرصة.
ويشدد على أن “أمن الطاقة هو حجر الأساس لأي استقلال اقتصادي. من دون قرار جريء في هذا الملف، سنبقى تحت الابتزاز”. (اقتراح آخر للعنوان)
هل تنجح حكومة محمد مصطفى؟
رغم التحولات الطفيفة في خطاب الحكومة الجديدة، إلا أن الشارع الفلسطيني لا يزال ينتظر قرارات ملموسة. الحكومة تحدثت عن ترشيد الإنفاق، ودعم بعض القطاعات، إلا أن التنفيذ ما زال محدودًا.
ويؤكد عمرو “نحتاج إلى خطة إنقاذ وطنية تبدأ من دعم الاقتصاد المنزلي، وتوفير تمويل حقيقي للمشاريع الصغيرة، لا الاستمرار في بناء أبنية حكومية بموازنات تفوق الـ100 مليون دولار، بينما تستمر معاناة القطاع الزراعي والصناعي “. ويرى أن أي خطة اقتصادية لا تضع المرأة والشباب في صلب عملية الإنتاج، ولا تدعم الاقتصاد الأخضر، هي خطة ناقصة ومؤقتة.
التحرر من الحصار الاقتصادي يتطلب ما هو أكثر من خطابات سياسية أو مبادرات جزئية. المطلوب هو إرادة سياسية حقيقية، تترجم إلى سياسات اقتصادية سيادية، تتبنى الشراكة مع القطاع الخاص، وتعتمد على تمكين المواطن لا استنزافه.
إذا لم تتخذ الحكومة الفلسطينية قرارات جريئة وملموسة، فإن فلسطين ستظل في دائرة التبعية والاعتماد على الاحتلال، بدلاً من الانتقال إلى مرحلة الإنتاج المستدام.
في النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل تمتلك الحكومة الفلسطينية الإرادة والقدرة على اتخاذ قرارات استقلالية تنقلنا من التبعية إلى الإنتاج؟ أم أن الحصار سيظل يفرض منطقه، بانتظار معجزة اقتصادية قد لا تأتي؟




