“لا يوجد لدينا إعلام يخاطب العالم ويتبنى السردية الفلسطينية بعدة طرق حديثة ويعتمد وسائل إعلام معاصرة”
“إلغاء وزارة الإعلام أدى إلى غياب المرجعية الرسمية للمؤسسات الإعلامية والصحفيين مما سبب ارتباكاً قانونيا وإداريا خاصة للصحفيين المستقلين”
“ملف قرار إلغاء الوزارة تم إدارته بطريقة بعيدة جدا عن الشفافية”
خاص الرقيب – ماريا عبية – اسرة التحرير
في خضم الحرب التي تعصف في البلاد وتحت وطأة الصراع الإعلامي مع إعلام الغرب كانت قد أعلنت حكومة محمد مصطفى بقرار سابق يُعنى بإلغاء وزارة الإعلام واعتبار وزارة الثقافة الخلف القانوني والواقعي لوزارة الإعلام، هل كانت هذه الخطوة ضرورية لتطوير المشهد الإعلامي في ظل التحديات التي نواجهها؟ أم أن القرار جاء لفتح باب من الغموض يهدد استقرار السياسة الإعلامية وتوجيه الرسالة الإعلامية بشكل فعال؟

بين ضباب قرار إلغاء وزارة الإعلام وواقع التحديات التي فرضت على موظفي الوزارة أعرب الأستاذ أنس أبو عريش ان ما كان يتم تداوله بين موظفي الوزارة انه كان هناك توجه لرئيس الوزراء الجديد محمد مصطفى بإلغاء وزارة الإعلام ولكن بقي الخبر مبهم للموظفين حتى إعلان القرار.
كما وأضاف أبو عريش بأن إلغاء الوزارة جاء من مبدأ تقليل استهلاك الموارد وتقليل نفقات الوزارات وبناء على ذلك تم نقل الموظفين إلى الوزارات المختلفة لإدارة أمور الترخيص.
أثر القرار على الاعلام الفلسطيني
أوضحت القائمة بأعمال مركز مدى للتنمية والحريات الاعلامية شيرين الخطيب بأن إلغاء وزارة الإعلام أدى إلى غياب المرجعية الرسمية للمؤسسات الإعلامية والصحفيين مما سبب ارتباكاً قانونيا وإداريا خاصة للصحفيين المستقلين، كما أن الصحفيين فقدوا شبكة الحماية التي كانت توفرها الوزارة بما في ذلك التمثيل أمام السلطة وحماية حقوقهم خاصة في ظل الانتهاكات المختلفة من الاحتلال الإسرائيلي بحق الصحفيين.
كما وأكدت الخطيب بأن قرار إلغاء وزارة الإعلام الذي صدر في 2024 فُهم كجزء من محاولات الحكومة لإصلاح الخطاب الإعلامي الرسمي لكنه أثار مخاوف بسبب توقيته والطريقة التي تم بها حيث أنه في تلك الفترة شهد الصحفيون تراجعا في حرية الصحافة وحقوق التعبير وسط العديد من الانتهاكات بحق الصحفيين الأمر الذي جعل هذا القرار يبدو غامضاً بالنسبة للكثيرين كما وأضافت أن وزارة الثقافة والتي استلمت الصلاحيات لا تمتلك الخبرة الكافية في هذا المجال ما أثر سلبا على استقلالية الإعلام وحرية التعبير .
أما الإعلامية نجوى حمدان قالت خلال مقابلتها مع “الرقيب” إلى أن التدخلات في الإعلام الفلسطيني كانت موجودة حتى في ظل وجود وزارة الإعلام، لكن غيابها قد يزيد من التدخلات من جهات غير رسمية وأضافت حمدان أن التخوف الأكبر هو أن تفرض رقابة علنية وقيود على المحتوى الإعلامي مما يعرض الإعلام الفلسطيني لخطر كبير.
كما وأكدت حمدان أن هذه التدخلات قد تشمل منع نشر مواضيع معينة أو تغيير السياسات الإعلامية مقابل الحصول على التراخيص وهو ما قد يؤدي إلى انحسار حرية التعبير بشكل خطير وقالت إذا حدث هذا سيشكل ذلك تهديدا حقيقيا للإعلام الفلسطيني الذي يعتمد على حرية التعبير وطرح المواضيع دون قيود.
قرار إلغاء وزارة الإعلام أثار جدلاً واسعًا بين مؤيد ومعارض، خاصة بين العاملين في المؤسسات الإعلامية الحكومية. كما أوضحت المتحدثة باسم الحكومة الفلسطينية سابقًا نور عودة بأن الوزارة منذ 2010 عمليًا ملغاة، والقائم بأعمال الوزارة منذ ذلك الحين، وكيل إعلام وليس وزير.
الرقيب التقت الدكتور المتوكل طه وكيل وزارة الإعلام الفلسطينية سابقًا حيث شدد بأن قرار إلغاء وزارة الإعلام كان من المفترض أن يلازمه قرار إنشاء مجلس إعلامي فلسطيني يضم ممثلين عن المؤسسات الإعلامية الأهلية والرسمية، ويأخذ على عاتقه المعايير المطلوبة وخلق القوانين المناسبة التي تحافظ على تنظيم العمل الإعلامي وحريته، وتكون برؤية مشتركة أهلية ورسمية.
واختتم طه بالقول إنه “لا يوجد لدينا إعلام يخاطب العالم ويتبنى السردية الفلسطينية بعدة طرق حديثة ويعتمد وسائل إعلام معاصرة”.
الإعلام حرية مقيدة
مع غياب وزارة الإعلام والحاجة إلى إطار تنظيمي قادر على جمع شتات المؤسسات الإعلامية الرسمية والخاصة تحت رؤية موحدة نوه الدكتور سعيد أبو معلا صحافي وباحث إعلامي بأن الغاء وزارة الإعلام كان مطلبا للصحفيين والمؤسسات الإعلامية ولكل المؤسسات الحقوقية حيث كان يُنظر للوزارة بأنها تقيد العمل الإعلامي.
كما وأكد أبو معلا بأن الطريقة التي تم التعاطي بها مع الملف الذي يُعنى بالقرار هي التي جعلت من القرار أكثر سلبية.
وأشار أبو معلا إلى أنه عقب إلغاء الوزارة ما زال التعامل مع ترخيص وسائل الإعلام مسألة أمنية.
كما وأضاف أبو معلا أنه “هناك رِدة في ملف الحريات وصمت الجهات التي من المفترض أن تأخذ على عاتقها الدفاع عن الحريات “.
وفي ذات السياق قال أبو معلا أن “ملف قرار إلغاء الوزارة تم إدارته بطريقة بعيدة جدا عن الشفافية”.
واختتم الدكتور سعيد أبو معلا وبالدعوة لإنشاء مجلس أعلى للإعلام يدير هذا القطاع كما هو في دول مختلفة مثل مصر.
حيث شهدت عدة دول عربية تغييرات في هيكل وزارات الإعلام. فمصر ألغت الوزارة عام 2014، ثم إعادتها في 2019 لتُلغى مجددًا في 2021 وتُستبدل بهيئات إعلامية أخرى. الأردن ألغت الوزارة في 2018 ودمجها مع وزارة الاتصالات، بينما لبنان ألغتها في 2011 مع دعوات لتعديل دورها. الكويت ألغت الوزارة في 2021 وإحالتها بهيئات تنظيمية، والسعودية فصلت مهامها عن الثقافة في 2018، والإمارات استبدلت الوزارة بمجلس الإمارات للإعلام في 2021. هذه التغييرات تهدف لتحديث القطاع الإعلامي وتعزيز حرية واستقلالية الإعلام.
ان قرار الغاء وزارة الاعلام وان كان يبدو للوهلة الأولى خطوة إيجابية نحو التحرر الإعلامي إلا أنه قد يكون مجرد واجهة للإصلاح المزعوم، ما هو واضح ومعروف بان الاعلام الفلسطيني بحاجة الى جسم يديره بوعي وشفافية مطلقة، لا أن يكون رهينة لتدخلات غير مبررة.
عيوب هذا القرار توسعت وكشفت أكثر خلال العدوان على قطاع غزة والثورة الإعلامية العالمية التي حدثت وحالة الوعي بالقضية الفلسطينية التي قادها الشباب الغاضب في فلسطين والعالم نصرة للقضية، دون أي رؤية او رسالة إعلامية موحدة ومعلنة تعزز الرواية الفلسطينية.
هذا الأمر كشف عورات نقابة الصحفيين أيضا التي لم تجتهد لتكون الحاضنة للإعلام الفلسطيني وتقدم خطط ومشاورات وندوات وتوجه الإعلام ككل نحو رسائل إعلام عالمية لإدارة المشهد الإعلامي الذي يدار اليوم بجهود فردية مع بعض وسائل الإعلام المحلية التي قدمت جهد كبير خلال العدوان وأخرى كانت خارج المشهد و غردت خارج سرب الإعلام الفلسطيني المنحاز للقضية والحق الفلسطيني.




