د. سليمان الخضاري
قديمًا، كان الحب حكاية بسيطة وواضحة، بلا كثير من التعقيدات، إذ كانت الرسائل تُكتب بخط اليد، وتصل بين العشاق بصعوبة، لكنها تصل محمّلةً بصدق خاص، ودفءٍ يملأ القلب بمجرد قراءتها، وكانت اللقاءات تُرتّب بصعوبة أيضا وخلسة أحيانا، في الحدائق العامة أو في المقاهي الصغيرة، وبين صفحات الكتب التي تمرّر بين العشاق خفيةً، فكان الحب حينها واضحًا رغم صعوبة الوصول، حقيقيًا رغم ندرة اللقاء.
ثم دخلنا زمن السوشيال ميديا، فتحوّل الحب إلى صورٍ منسّقة وعبارات مختصرة ومعلنة أمام الجميع، وصار التعبير عن الحب مرتبطًا بعدد الإعجابات -اللايكات بلغة التكنولوجيا-، وموثّقًا بالصور والقصص القصيرة التي تختفي بعد ساعات، أو دقائق!
ربما أصبحنا نُحب بشكل أسرع، وننسى بشكل أسرع أيضًا، وتحوّلت مشاعرنا إلى محتوى رقمي نستهلكه يوميًا مع آلاف المحتويات الأخرى، فلم يعد الحب بسيطًا، ولم يعد خاصًا، إذ صار مشهدًا مفتوحًا لكل من أراد أن يراقبه أو حتى أن يُعلّق عليه!
لكن، ورغم هذه التغييرات الكبيرة، يبدو أننا على مشارف مرحلةٍ جديدة وغريبة في الوقت ذاته، مرحلة الحب في زمن الذكاء الاصطناعي، ورغم ما قد يبدو للوهلة الأولى خيالاً أو مبالغة، إلا أن الحقيقة أننا بدأنا نقترب بالفعل من لحظة يصبح فيها الذكاء الاصطناعي قادرًا على أن يلعب دور الصديق، وربما في يوم ما… دور الحبيب!
تخيّل أن تكون قادرًا على تصميم شخصٍ افتراضي يلبي كل ما تتمناه في شريك الحياة، شخصٌ (أو برنامجٌ) يُنصت إليك بلا ملل، فلا ينتقدك أبدًا، ويتذكر كل التفاصيل التي ترويها مهما كانت صغيرة أو تافهة، شخص لا يغيب فجأة، ولا ينشغل بهاتفه عنك، ولا ينسى ذكرى عيد ميلادك أو مناسباتك المهمة، قد يبدو هذا الأمر جذابًا للكثيرين في عصرٍ أصبحت فيه العلاقات البشرية مرهقة، وأحيانًا مؤلمة!
لكن السؤال الحقيقي هنا هو: هل سنكون قادرين على تسمية هذا «حبًا»؟ وهل ما نبحث عنه فعلًا في علاقاتنا هو مجرد الراحة الدائمة، والاستجابة المستمرة، أم أن جزءًا أساسيًا من الحب يكمن في التعايش مع عيوب الطرف الآخر وفي تحديات العلاقة نفسها؟
لا أملك إجابةً نهائية، ولا أظن أن أحدًا يملكها حتى الآن، لكن من المؤكد أننا في طريقنا لنختبر ذلك قريبًا جدًا، وربما سنجد أنفسنا قريبًا أمام مفترق طرق غريب، بين أن نختار بين علاقة حقيقية مع كل ما فيها من ألم ولذة، أو علاقة افتراضية مثالية، خالية من العيوب، لكنها أيضًا قد تكون خالية من الحياة!
في زمن الذكاء الاصطناعي، لن نخشى فقط أن تُستبدل وظائفنا، بل قد تُستبدل أيضا مشاعرنا وعلاقاتنا الإنسانية، إلا أن السؤال الأهم سيبقى مفتوحًا، فحين نصبح قادرين على تصميم الحب تمامًا كما نريده، هل سيبقى «حبًا» كما عرفناه يومًا؟ أم أنه سيتحول إلى شيءٍ آخر لم نتخيله من قبل؟




