الدكتورة دلال عريقات
من واجبي الأكاديمي أن أضع التناقضات المجتمعية في سياقها النظري في حقل العلوم الاجتماعية. تستحق المشاهد والمشاعر الديالكتيكية لفهم عمقها، بدءاً من مباركات المناصب والوزارات للمعايدات وبوستات صور الأعياد، لايكون مول Icon mall, لقصر رام الله الثقافي، الاحتفاء بالمناسبات الوطنية او الثقافية، الابتهاج بمولود جديد أو بإحياء ذكرى المناضلين والقادة، افتتاح المحال التجارية، حفلات التخريج والخطب والأعراس، حتى المطاعم والسفر والإجازات، ورشات العمل والمؤتمرات، حتى الظهور بهندام مرتب، اول قبول المضي قدماً بالحياة ضمن حالة الشيزوفرينيا ما بين مفاهيم النضال والصمود والمعاصرة: نحتفي فنشعر بالذنب، ننجو فنشعر بالخجل، نحلم بينما يُقتل الحلم كل يوم.
#نظرية “تحويل الصراع”، كما يطرحها المفكر جون بول ليدراك، تدعونا إلى التفكير في عمق العلاقات الاجتماعية والثقافية التي تتأثر بالصراع، إلى الاكتفاء بإدارته أو التعايش معه. وهذا يضع أمامنا مسؤولية جماعية: كيف نعيد بناء علاقة الشعب مع قضاياه الكبرى تحت الاحتلال ؟ كيف نربط الحياة بالكرامة، والفرح بالمعنى، والوطنية بالفعل اليومي؟
هذا ليس خللًا فرديًا، بل ظاهرة اجتماعية معقدة، تشكّلت عبر عقود من الاحتلال الكولونيالي الذي لم يسرق الأرض فحسب، بل ضمن اطار عمليات السلام حاول إعادة تشكيل وعينا وثقافتنا ونظرتنا لأنفسنا وقضايانا والإرباك ما بين الخاص والعام في عالم نيوليبرالي يقدم الفرد والربح على أي اعتبار.
لقد مرّ المجتمع الفلسطيني بتحولات سريعة ومؤلمة، أثّرت على مفهوم الوطنية، وعلى الارتباط بالقضية بوصفها هوية، لا مجرد خطاب..
الواقع يحتاج إلى وعي مشترك وقيادة وطنية جامعة، يتجاوز جلد الذات أو توجيه اللوم والاتهامات، نحو لغة جديدة من التلاقي والتفاهم، تقول:نحن نعرف أن كلًّا منّا يحمل جراحه وهمومه، لكننا نملك القدرة على أن نحملها معًا.
للكل حق الاختيار، نستحق أن نعيش بكرامة، وأن نحلم دون أن نخجل من حلمنا، وان نحترم بعضنا رغم اختلافاتنا فنحن بشر.
لكن حتى نصل إلى هناك، لا بد من تجديد المفهوم الوطني، وربطه من جديد بالحياة اليومية للناس، ممثلة بقيادة حقيقية لا عبر شعارات أو مناصب تحت غطاء خدمة الوطن والقطاع الخاص والتكنوقراط، بل من خلال مشروع سياسي ثقافي واجتماعي يضع الإنسان في قلب المعادلة الوطنية، ويعيد للكرامة معناها البسيط والعميق: أن تكون حاضرًا، واعيًا، فاعلًا، ومتصالحًا مع ألمك وأملك معًا.
في ظل الواقع القاسي الذي يعيشه الفلسطينيون تحت الاحتلال، بتجلياته اليومية من إبادة وتهجير ونزوح وفصل عنصري، تزداد الحاجة إلى لحظة تأمل جماعية — لا بهدف اللوم أو المحاسبة، بل بدافع المحبة والمسؤولية والبحث عن طريق يليق بنا جميعًا على أساس أن تتقدم همومنا الوطنية على أي اعتبار، وان يخدم كل منا فلسطين حسب تخصصه بالفعل الحقيقي والضمير الوطني الحي بعيداً عن الامتيازات…..
في عالم الليبرالية الجديدة والفكر المعاصر للعلوم الاجتماعية، من الطبيعي أن يحتفي الإنسان بخياراته الفردية. لكن في سياق الإبادة والتهجير والظلم التاريخي الذي نعيشه، يبقى من المهم التمييز حقيقة أن الاحتفاء الفردي بالنجاح بعيد كل البُعد عن العمل الوطني الجماعي.
يبقى الوطن أكبر من اختياراتنا الفردية، حين يصبح الفرح عبئًا ندرك أن الكرامة ليست ترفًا وهذا يتطلب وعيًا بالسياق ومسؤولية تجاه الجماعة.
قال المفكر جان بول ليدراك “يتطلب تحويل الصراع استعدادًا لرؤية الصراع لا كمشكلة يجب حلها فحسب، بل كفرصة لخلق واقع جديد”
واقعنا الجديد لم ولن يكون مستدام دون الهوية الوطنية القائمة على التحرر من الاحتلال والفرصة تبدأ بوحدتنا الحقيقية وإنهاء الانقسام والعُزلة ليس فقط ما بين غزة والضفة ولكن بين كل التجمعات الفلسطينية سواء داخل حدود قرية، بلدية، مدينة، محافظة، أسوار او بوابات!
بعد حرب الابادة بالتحديد، علينا ان ندرك حقيقة صعبة وواقع أليم أن أصحاب فكر “إفصل” وركز بالتخصص والربح لم يتشبعوا كفاية من التربية الوطنية واليوم ان الانتماء الوطني الحقيقي للفلسطينيين هو انعكاس لحالات فردية !
تحويل الصراع ودراسات السلام جعلتنا نفكر في أنفسنا وبيوتنا وأعمالنا وأولادنا وشركتنا وأرباحنا وطموحنا والمدرسة والجامعة والملعب والتطور والازدهار والاستقرار وكل ما هو معاصر، وهنا أقول أن هذا الحال لن يتمتع بالاستدامة ولا السلام ما دمنا تحت الاحتلال!
ووعينا وإدراكنا لما نشهده اليوم من تناقضات هو بداية لمرحلة تحويل أخرى أتمنى أن تأخذنا لمرحلة تتقدم فيها المصلحة الوطنية للجماعة على أي مصلحة أخرى….
#غزة و #فلسطين




